فصوص الحكم - ابن العربي، محيي الدين - الصفحة ١٣٩ - الفص الثاني عشر
الفص الثاني عشر
(١) القلب.
(١) القلب عند ابن عربي كما هو عند سائر الصوفية الأداة التي تحصل بها المعرفة باللَّه و بالأسرار الإلهية: بل بكل ما ينطوي تحت عنوان العلم الباطن: فهو أداة إدراك و ذوق لا مركز حب و عاطفة. أما مركز الحب عندهم فهو الروح، و إن كانوا ينسبون الحب إلى القلب أحياناً. و هنالك طريق ثالث للاتصال الروحي عندهم و هو «السر» الذي هو مركز التأمل في اللَّه.
و ليس غريباً أن يعدّ الصوفية القلب مركزاً للإدراك لا للعاطفة فإنهم نحوا في ذلك منحى القرآن الذي صور القلب هذا التصوير فجعله محلًا للإيمان و مركزاً للفهم و التدبر الصحيحين. يقول: «أَ فَلا يَتَدَبَّرُونَ الْقُرْآنَ أَمْ عَلى قُلُوبٍ أَقْفالُها؟» (س محمد- ٢٢). «أُولئِكَ كَتَبَ فِي قُلُوبِهِمُ الْإِيمانَ» (س المجادلة- ٢١) «فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ ما تَشابَهَ مِنْهُ ابْتِغاءَ الْفِتْنَةِ وَ ابْتِغاءَ تَأْوِيلِهِ» (س آل عمران- ٦) و ما شاكل ذلك.
و ليس المراد بالقلب تلك المضغة الصنوبرية الجاثمة في الجانب الأيسر من الصدر- و إن كانت متصلة به اتصالًا ما، لا يعرف كنهه. بل هو القوة الخفية التي تدرك الحقائق الإلهية إدراكاً واضحاً جلياً لا يخالطه شك.
و إذا أشرق فيه نور الإيمان وصفا من غشاوات البدن و شهواته انعكس عليه العلم الإلهي: أو على حد تعبير ابن عربي: انكشف ما فيه من العلم الإلهي فشاهد فيه صاحبه صفحة الوجود: بل شاهد فيه الحق ذاته. و هذا في نظره معنى