شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣١٣ - الفصل الخامس في اقتصاصه لحاله،و الإشارة إلى قوّته في دينه
الثانية:منزلته الخصيصة به
و أشار بها إلى ما شرحه من فعله به صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و هو وضعه له في حجره وليدا و ساير ما ذكره.و مبدء ذلك ما روى عن مجاهد قال:
كان من نعمة اللّه على علىّ عليه السّلام ما صنعه اللّه له و أراد به من الخير أنّ قريشا أصابتهم أزمّة شديدة و كان أبو طالب ذا عيال كثيرة فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم لعمّه العبّاس و كان أيسر بنى هاشم:يا عبّاس إنّ أخاك أبا طالب كثير العيال و قد ترى ما أصاب الناس من هذه الأزمّة فانطلق بنا لنخفّف عنه من عياله فآخذ واحدا من بنيه و تأخذ واحدا فنكفيهم عنه فانطلقا إليه و قالا له.فقال:إن تركتمالى عقيلا فاصنعا ما شئتما فأخذ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم عليّا عليه السّلام و أخذ العبّاس جعفرا فكفّلاهما.و قد كان أبو طالب كفّل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم دون غيره من أعمامه و ربّاه في حجره ثمّ حماه من المشركين في مبدء أمره و نصره عند ظهور دعوته و ذلك ممّا يؤكّد اختصاص منزلة علىّ عليه السّلام عنده.و من منزلته الخصيصة به ما كان بينهما من المصاهرة الّتي أفضت إلى النسل الأطهر دون غيره من الأصهار ،و في معنى قوله:فكان يمضغ الشيء ثمّ يلقمنيه ما رواه الحسن بن زيد بن علىّ بن الحسين عليهم السّلام قال:سمعت زيدا أبى يقول:كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم يمضغ اللحمة أو التمرة حتّى تلين و يجعلها في فم علىّ عليه السّلام و هو صغير في حجره.
الثالثة:أنّه لم يجد له كذبة في قول و لا خطلة في فعل،
و ذلك لما استعدّ به من تربيته صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و ساير متمّمات الرياضة و أعراضها لاستيلاء قوّته العاقلة على قوّتى الشهويّة و الغضبيّة و قهر نفسه الأمّارة الّتي هى مبدء خطأ الأقوال و خطل الأفعال حتّى حصلت له عن ذلك ملكة في ترك الرذائل و اجتناب المئاثم و المعاصى فصار له ذلك خلقا و طبعا.و إذا حقّق معنى العصمة في حقّه عليه السّلام و في حقّ من ادّعيت له العصمة من أولاده يعود إلى هذه الملكة.فليس لاستكبارها[لاستنكارها خ]في حقّهم عليه السّلام معنى ،و أشار بالملك الّذي قرنه به إلى جبرئيل و هو العقل الفعّال في عرف قوم.و اقترانه به إشارة إلى تولّيه بتربية نفسه القدسيّة بإفاضة العلوم و مكارم الأخلاق و سائر الطرق المؤدّية إلى اللّه سبحانه من حين صغره صلّى اللّه عليه و آله و سلّم