شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٣١١ - الفصل الخامس في اقتصاصه لحاله،و الإشارة إلى قوّته في دينه
فإذا نحن بخرير الماء في حفرة عند موضع دالية.فقال لى:فتّش هذا.ففتشّته فإذا قتيل قد صار في الماء و إذا رجله في يدي فجذبتها و قلت:هذه رجل إنسان.فنزل عن البغلة مسرعا فجذب الرجل الاخرى و جرّرناه فإذا هو المخدج.فكبّر عليه السّلام ثمّ سجد و كبّر الناس بأجمعهم.و أمّا الصعقة الّتي أشار إليها فهى ما أصاب ذا الثدية من الغشى و الموت بضربته عليه السّلام حتّى استلزم ذلك ما حكاه من سماعه لرجّة صدره و وجيب قلبه.و قال بعضهم المراد بالصعقة هنا الصاعقة و هى صيحة العذاب و ذلك أنّه روى أنّ عليّا عليه السّلام لمّا قابل القوم صاح القوم فكان ذو الثدية ممّن هرب من صيحته حتّى وجد قتيلا في الحفرة المذكورة.و قال بعضهم:يحتمل أن يشير بالشيطان إلى إبليس المتعارف كما أشرنا إليه في الخطبة الاولى و هو القوّة الوهميّة فاستعار لفظ الردهة و هى النقرة في الجبل للبطن الأوسط من الدماغ الّذي هو محلّ هذه القوّة لمكان المشابهة،و قد يعبّر بالجبل عن الدماغ في عرف المجرّدين و عن القوى فيه،و بالجنّ الشياطين تارة و بالملائكة اخرى.و لمّا كانت الأنبياء عليهم السّلام و الأولياء قد يشاهدون الامور المجرّدة و المعاني المقبولة كالملائكة و الجنّ و الشياطين في صورة محسوسة باستعانة من القوّة المحصّلة كما علمت في المقدّمات و كما سنشير إليه عن قرب احتمل أن يقال أنّه عليه السّلام رأى الشيطان المذكور بصورة محسوسة ذات صدر و قلب و أنّه عليه السّلام لمّا كان في مقام العصمة و ملكة للنصر على الشيطان و قهره و إبعاده سمع من الجناب الإلهىّ صيحة العذاب أرسلت على الشيطان فسمع لها وجيب قلبه ورّجة صدره كما سمعت رنّته فيما يحكيه في باقى الكلام.و اللّه أعلم.
و أمّا البقيّة من أهل البغى فمعاوية و من بقى من جند الشام حيث وقعت الحرب بينهم و بينه بمكيدة التحكيم.و حكمه عليه السّلام بأنّه إن أذن اللّه سبحانه في الرجوع إليهم ليغلبنّهم و لتكونّن الدايرة عليهم ثقة بعموم توعّده تعالى في قوله و من بغى عليه لينصرنّه اللّه و قوله تعالى «يٰا أَيُّهَا النّٰاسُ إِنَّمٰا بَغْيُكُمْ عَلىٰ أَنْفُسِكُمْ» ١و قوله «إِنْ تَنْصُرُوا اللّٰهَ يَنْصُرْكُمْ» ٢و أمثاله. كناية و كنّى بإذن اللّه عن توفيق أسباب
١) ١٠-٢٣.
٢) ٤٧-٧.