شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٢١ - خطبة له عليه السّلام في تحميد اللّه تعالى و تنزيهه و اقتصاص أحوال الناس عند انبعاث رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و سلّم
«تُجْزَوْنَ مٰا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ » .
[و قوله:فما أقلّ من قبلها.]
و قوله:فما أقلّ من قبلها.
تعجّب من قلّة من قبل التقوى بينهم و حملها حقّ حملها:أي أخذها و حفظها بشرائطها و استعدّ بها ليؤدّي أمانة اللّه فيها.إذ هي الأمانة المعروضة.ثمّ حكم بكون قابلها و حاكمها هم أقلّ الناس عددا،و أنّهم أهل صفة اللّه:أي الّذين وصفهم اللّه تعالى بقوله «وَ قَلِيلٌ مِنْ عِبٰادِيَ الشَّكُورُ» .
ثمّ أمرهم فيها بأوامر :
أحدها:أن يهطعوا بأسماعهم إليها
:أي يسرعوا إلى سماع وصفها و شرحها ليعرفوها فيعملوا على بصيرة.
الثاني:أن يواكظوا عليها بجدّهم
:أي يداوموا عليها و يلازموها باجتهاد منهم،و روى و انقطعوا بأسماعكم إليها:أي انقطعوا عن علائق الدنيا و استصحبوا أسماعكم إلى سماع وصفها.فكأنّ أحد الروايتين تصحيف الاخرى لأنّ النون و القاف إذا تقارنا أشبها الهاء في الكتابة.
الثالث:أن يعتاضوها خلفا عن كلّ محبوب في الدنيا سلف لهم
و نعم الخلف ممّا سلف إذ كانت المطالب الحاصلة بها أنفس المطالب و هي السعادة الأبديّة.
و خلفا مصدر سدّ مسدّ الحال.
الرابع:أن يعتاضوها من كلّ مخالف لهم موافقا.
و المراد أنّ كلّ من كان موافقا لك ثمّ خالفك في أمر من الامور فينبغي أن يكون على طريق الحقّ و التقوى في ذلك الأمر و لا تميل ميل مخالفك فإنّ التقوى نعم العوض ممّن خالفك.و نحوه ما قال أفلاطون الحكيم:سقراط حبيبنا و الحقّ حبيبنا و إذا اختلفا كان الحقّ أحبّ إلينا .
الخامس:
مجازا من باب إطلاق اسم الملزوم على لازمه-استعارة أن يوقظوا بها نومهم .قال بعض الشارحين:أراد أن يوقظوا بها نوّامكم فأقام المصدر مقام اسم الفاعل مجازا لما فيه من التضادّ في القرينة.قلت:
و يحتمل أن يريد بقوله: أيقظوا :أي اطردوا بتقوى اللّه و عبادته نومكم في ليلكم و أحيوه بها.فاستعمل لفظ الايقاظ لإفادته ذلك المعنى إذ كان الأمر بإيقاع أحد