شرح نهج البلاغه ابن ميثم - البحراني، ابن ميثم - الصفحة ٢٠٨ - خطبة له عليه السّلام في الأمر بتقوى اللّه تعالى و الاستزاده للآخرة
و المشبّه الأوّل:هو الدنيا باعتبار حالها الحاضرة و المشبّه به انصرافها بأهلها و زوالهم و وجه الشبه سرعة المضىّ.أى كأنّها من سرعة أحوالها الحاضرة كالّتي وقع انصرافها.و كذلك الوجه في باقى التشبيهات.و استعار لفظ الحضن لها ملاحظة لشبهها بالآم الّتي تحضن ولدها فينتزع من حضنها . حقيقة-كناية و السمين و الغثّ تحتمل أن يريد بهما الحقيقة و يحتمل أن يكنّى به عن ما كثر من لذّاتها و خيراتها و تغيّر ذلك بالموت و زواله.
و قوله:في موقف.
يتعلّق بصار و الموقف هو موقف القيامة.و ظاهر أنّ كلّ جديد للدنيا يومئذ رثّ.و كلّ سمين كان بها غثّ.و ضيق الموقف إمّا لكثرة الخلق يومئذ و ازدحامهم أو لصعوبة الوقوف به و طولهم مع ما يتوقّع الظالمون لأنفسهم من إنزال المكروه بهم و الامور المشتبهة العظام أهوال الآخرة.و اشتباهها كونها ملبسة يتحيّر في وجه الخلاص منها.و الاعتبار يحكم بكونها عظيمة.و ظاهر كون النار شديدة الشرّ و قد نطق القرآن الكريم بأكثر ممّا وصفها عليه السّلام به ههينا من علوّ أصواتها،و سطوح لهبها، استعارة و تغيّظ زفيرها كقوله تعالى «إِذٰا أُلْقُوا فِيهٰا سَمِعُوا لَهٰا شَهِيقاً وَ هِيَ تَفُورُ تَكٰادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ» ١و قوله «سَمِعُوا لَهٰا تَغَيُّظاً وَ زَفِيراً» ٢و لفظ التغيّظ مستعار للنار باعتبار حركتها بشدّة و عنف كالغضبان أو باعتبار استلزام حركتها ظاهر للأذى و الشرّ.
مجاز و قوله: عم قرارها .
أسند العمى إلى قرارها مجازا باعتبار أنّه لا يهتدى فيه لظلمته أو لأنّ عمقها لا يوقف عليه لبعده ، استعارة مرشحة و لمّا استعار لفظ الحمى رشّح بذكر القدور،و ظاهر فظاعة تلك الامور و شدّتها .و كلّ تلك الامور عدّدها في معرض التخويف لكونها مخوفة تنفيرا لما يلزم عنه من ترك التقوى و اتّباع الهوى اقتباس ثمّ ساق الآية اقتباسا و نسق بعدها أحوال المتقيّن في الآخرة اللازمة عن تقويهم و هى أمنهم من العذاب و انقطاع
١) ٦٧-٧.
٢) ٢٥-١٣.