منتخب الاثر فی الامام الثاني عشر علیهالسلام - الصافي، الشيخ لطف الله - الصفحة ٤١٠ - الفصل الأوّل في ثبوت ولادته، و كيفيّتها، و تاريخها، و بعض حالات امّه و اسمها
قريش، في وقت قد تضرّمت الهواجر، و توقّدت السمائم، فلمّا وصلت منها إلى مشهد الكاظم عليه السلام و استنشقت نسيم تربته المغمورة من الرحمة، المحفوفة بحدائق الغفران، أكببت عليها بعبرات متقاطرة، و زفرات متتابعة، و قد حجب الدمع طرفي عن النظر، فلمّا رقأت العبرة، و انقطع النحيب فتحت بصري فإذا أنا بشيخ قد انحنى صلبه، و تقوّس منكباه، و ثفنت جبهته و راحتاه، و هو يقول لآخر معه عند القبر: يا ابن أخي!لقد نال عمّك شرفا بما حمّله السيّدان من غوامض الغيوب، و شرائف العلوم الّتي لم يحمل مثلها إلاّ سلمان، و قد أشرف عمّك على استكمال المدّة و انقضاء العمر، و ليس يجد في أهل الولاية رجلا يفضي إليه بسرّه، قلت:
يا نفس!لا يزال العناء و المشقّة ينالان منك باتعابي الخفّ و الحافر في طلب العلم، و قد قرع سمعي من هذا الشيخ لفظ يدلّ على علم جسيم و أثر عظيم، فقلت: أيّها الشيخ!و من السيّدان؟قال: النجمان المغيّبان في الثرى بسرّمنرأى ، فقلت: إنّي اقسم بالموالاة، و شرف محلّ هذين السيّدين من الإمامة و الوراثة إنّي خاطب علمهما، و طالب آثارهما، و باذل من نفسي الأيمان المؤكّدة على حفظ أسرارهما، قال: إن كنت صادقا فيما تقول فأحضر ما صحبك من الآثار عن نقلة أخبارهم، فلمّا فتّش الكتب و تصفّح الروايات منها قال: صدقت، أنا بشر بن سليمان النخّاس، من ولد أبي أيّوب الأنصاري، أحد موالي أبي الحسن و أبي محمّد عليهما السلام، و جارهما بسرّمنرأى ، قلت: فأكرم أخاك ببعض ما شاهدت من آثارهما، قال: كان مولانا أبو الحسن علي بن محمّد العسكري عليهما السلام فقّهني في أمر الرقيق، فكنت لا أبتاع و لا أبيع إلاّ بإذنه، فاجتنبت بذلك موارد الشبهات حتّى كملت معرفتي فيه، فأحسنت الفرق[فيما]بين الحلال