فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٠٣ - تفقّد السيّاح غير المسلمين للأماكن المقدّسة الشيخ محمّد حسن النجفي
الحرام ، وأبو عبد اللّه جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فيه إذ ذاك يفتي الناس ، يفسر لهم القرآن ، ويجيب على المسائل بالحجج والبينات ، فقال القوم لابن أبي العوجاء : هل لك في تغليط هذا الجالس وسؤاله عمّا يفضحه عند هؤلاء المحيطين به ؟ فقد ترى فتنة الناس به ، يفسر لهم القرآن ويجيب عن المسائل به ، وهو علاّمة زمانه ؛ فقال لهم ابن أبي العوجاء : نعم ، ثمّ تقدم ففرّق الناس و . . . » (٧٣). فهذه الرواية تحدثنا بأنّ الامام وافقه وجلس معه للمناظرة ، فما كان من ابن أبي العوجاء إلاّ السخرية والاستهزاء بالكعبة وبالأفعال التي يؤديها الحجاج هناك ، فجعل الامام (عليه السلام) يجيبه حتى ألقمه حجراً .
وإذا صح هذا النقل في دخول غير المشركين المسجد الحرام ، فانه ليؤيد أن حرمة دخول المسجد الحرام إنّما اختصت بالمشركين .
قال المفضل : « كنت ذات يوم جالساً في مسجد النبي ما بين القبر والمنبر ، بعد أن فرغت من صلاة العصر ، فدخل ابن أبي العوجاء مع صاحب له وجلسا بجانبي ، ثم تكلم منكراً الخالق ، فامتعظت وصرخت بوجهه ، فقال : إن كنت من أصحاب جعفر بن محمّد (عليهما السلام) فانه ليناظرنا ولا يفعل ما فعلت . قال : فأخبرت الامام الصادق (عليه السلام) الخبر ، فأشار علي أن اُعامله بالمنطق والاستدلال والبرهان » (٧٤).
فالواقعة تفيد بوضوح أن دخول الزنادقة والملاحدة كابن أبي العوجاء الى المسجد كان قضية طبيعية . وما أغضب المفضل كان كلمات الكفر التي صدرت من ذلك الزنديق لا حضوره في المسجد ، ولم يشر عليه الامام بطرح هذه المناظرات خارج المسجد .
كانت تلك بعض الشواهد والنماذج التأريخية على استمرار السيرة النبوية منذ زمان بناء المسجد حتى زمان المعصومين (عليهم السلام) . ولا يخفى أن تلك الشواهد كثيرة جمة لا يمكن إحصائها جميعاً .
(٧٣)بحار الأنوار ١٠: ٢٠٩، ح ١١.
(٧٤)انظر : بحار الأنوار ٣ : ٥٧.