فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ١٠٨ - الفقه الجزائي والسياسة الجنائية / ١ / طوبى الشاكري
فإذا اعتبرنا كل عنوان من أبواب الجامع الروائي في وسائل الشيعة رأياً فقهياً للشيخ الحرّ العاملي ، فسنجد أنّ من حالاته التي تدعو إلى التأمل هو تمسّكه بخبر أبي إسحاق الخفاف عن اليعقوبي عن أبيه في الحكم بكراهة اجتماع الناس عند إقامة الحد . فقد جاء في هذا الخبر : « اُتي أمير المؤمنين (عليه السلام) وهو بالبصرة برجل يقام عليه الحد ، قال : فأقبل جماعة من الناس فقال أمير المؤمنين (عليه السلام) : يا قنبر انظر ما هذه الجماعة ؟ قال رجل يقام عليه الحد ، قال : فلما قربوا ونظر في وجوههم قال : لا مرحباً بوجوه لا تُرى إلا في كل سؤ ، هؤلاء فضول الرجال أمطهم عني يا قنبر » (٢٢).
في ضوء هذا الخبر ، نجد أنه عندما جيئ بشخص إلى أمير المؤمنين (عليه السلام) لإقامة الحد عليه ، تدافع قوم للتفرج على إقامة الحد ، فتساءل أمير المؤمنين عن سبب ذلك فأجاب قنبر بأنهم جاءوا يتفرجون على إقامة الحد ، فنظر أمير المؤمنين باشمئزاز إليهم وأعرب بقوله : « لا مرحباً بوجوه لا تُرى إلا في كل سؤ . . . » عن امتعاضه من أناس لا يُرون إلا في موارد السؤ ، ثم طلب من قنبر إبعادهم عنه .
وكما يُلاحظ ، فإن هذا الخبر هو مجرد رواية لنوع من التعاطي القائم على ملاحظات نفسية من قبل الشارع تجاه مخاطبيه .
أضف إلى ذلك ، لو صرفنا النظر عن مشكلات السند ، فإن نص الخبر يتعارض مع دلالة الآية : {وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين } (٢٣)، وأما الجمع بين الخبر والآية بالحكم بكراهة الحضور عند إقامة الحد فهو بعيد جداً بالنظر إلى اللهجة غير التسامحية للآية . وإذا كان العلاّمة وغيره قد حملها على الوجوب بالنظر إلى ظاهر الآية ، فلو تساهلنا في قبولنا رأي الشيخ الطوسي في المبسوط بحملها على الاستحباب ، فإن حملها على الكراهة نظراً للخبر المذكور هو موضع تأمل للغاية من الناحية الاُصولية ؛ إلا أن نأخذ بنظر الاعتبار
(٢٢)وسائل الشيعة ١٨: ٣٣٤، باب ٢٢من أبواب مقدمات الحدود ، ح ١ .
(٢٣) النور : ٢ .