فقه اهل بیت علیهم السلام - عربی - موسسه دائرة المعارف فقه اسلامی - الصفحة ٢٢٠ - طاقة النصّ بين الظهور والظاهرة السيد حسن خليفة
مر النص في أكثر من دورة استدلالية وحديثية دون استثمار طاقته الدلالية ، ولا سيما أن مورد النص في باب يرد فيه تحليل الإمام الباقر عليه السلام لاستدلاله على وجوب التقصير بعبارة نفي الجناح في آية وضعها في تناص مع سياقها القرآني الذي ورد فيه نفي الجناح في السعي بين الصفا والمروة ، مضيئاً وجوبه بربطه بالسنة الفعلية للرسول صلى الله عليه وآله مع ذكره في القرآن بهذا الأسلوب كما هو في موضوع التقصير .
فالإمام الباقر عليه السلام يرصد الظاهرة بتكوين دائرة تشريعية تنطلق من القرآن إلى السنة الفعلية ثم تعود إلى القرآن بمنهج ينتج فقها غير الفقه الذي ينتجه القصور على مستوى الظهور .
أراد الإمام الباقر عليه السلام أن يعطي درساً بتجاوز الظهور اللغوي المغلق على ذاته في قراءة نص ما ـ وهنا نص قرآني ـ فلم يعط الحكم مباشرة لتلميذيه اللذين يقبلان منه إن فعل ؛ لأنّه إمامهم ، وإنّما أراد أن يدرّبهم على استثمار طاقة النص بالانتقال به من سطح الظهور إلى عمق الظاهرة ، والبرهنة على المفارقة الدلالية المصاحبة لتلك الانتقالة ، إذ الجمود على مستوى الظهور ينتج فقها مغايرا للفقه الذي ينتجه تحريك النص في اُفقيه الكتابي والسنني ، الذي لا يفصل بين منظومة ( القول / الفعل / التقرير ) فيما يعيد قراءة الآية قراءةً تناصية مع القرآن الذي هو على حد تعبير الزركشي ( ت٧٩٤هـ ) : « كالكلمة الواحدة » (١٢).
فيلمح إلى الانزياح الدلالي الذي طال نفي الجناح ؛ فنقلها من التخيير إلى الوجوب ، مما يعني أن الإمام الباقر عليه السلام ، انتقل في درسه المتقدم لصاحبيه : زرارة بن أعين ومحمد بن مسلم ، من عالم الظهورات إلى عالم الظواهر ، عارضا أمامهما كل ما يتصل بالنص من أجواء داخلية وخارجية ساهمت في إذكاء تجربته التشريعية التي لا يمكن الاستنارة بها دون وعيها ، كظاهرة تتجاوز ظهورا دلاليا فقيرا بما تمتلك من غنىً وثراء .
(١٢)الزركشي ، البرهان ١ : ٣٩، بيروت دار الجيل ، ١٤٠٨هـ .