البيع - القديري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٨١
هذا مضافاً إلى أنّه لا ربط لهذا الجواب بالإشكال العقلي بوجه، فإنّ الإشكال إنّما هو في عدم إمكان تأثير الإنشاء و هو العقد في المنشأ، و هو اسم المصدر على اصطلاحه أي الملكيّة فإنّ العقد معدوم حال الأثر، و عدم التخلّف في نظر العاقد لا يصحّح المطلب.
نعم، على مسلكنا: من أنّ المصدر و هو العقد لم يتخلّف عن اسم المصدر، و هو الاعتبار الإنشائي، و لهذا المعنى الإنشائي نحو بقاء بالاعتبار حال الإجازة، لم ينفكّ الأثر عن العقد أيضاً، فيرتفع الإشكال، نظير الفسخ [١].
[١] أقول: الظاهر عدم الحاجة إلى الالتزام باعتبار بقاء المعنى الإنشائي لدفع الإشكال، بل الالتزام بذلك لا يخلو عن شيء في بعض الموارد، نظير باب الوصيّة، فلو أوصى بإعطاء مال لزيد، فالإنشاء و أثره الإنشائي موجود حال الإنشاء، و أثره الاعتباري العقلائي يوجد بعد موته و إن كان منفكّاً عن الإنشاء، فإنّ محذور الانفكاك إنّما يتمّ في الخارجيّات لا الاعتباريّات، و لا تقاس هذه بتلك، كما مرّ غير مرّة، و الالتزام ببقاء المعنى الإنشائي اعتباراً حينئذٍ التزام بلا ملزم.
نعم، يمكن القول بلزوم هذا الاعتبار في الفسخ، فإنّه من حينه، لا من حين العقد، فلا بدّ من ثبوت العقد حال الفسخ حتّى ينحلّ حينئذٍ، إلّا أن يقال: إنّ الفسخ يزيل الأثر، و هو خلاف التحقيق، فتأمّل، بخلاف العقد الفضولي على القولين، فإنّ المفروض أنّ الإجازة فيها مثبتة للأثر لا مزيلة له، و في الأوّل لا ملزم لاعتبار البقاء، بخلاف الثاني على أحد الوجهين.
و لا بأس بذكر ما فهمه بعض علماء العصر مدّ ظلّه من كلام المرحوم النائيني فيما تقدّم: و هو أنّ المصدر هو العقد، و هو استعمال اللفظ في معناه بداعي إيجاد مضمونه، الذي نسمّيه بالإنشاء، و اسم المصدر هو المعنى المنتزع من فعل المتعاقدين، و هي المبادلة القائمة بالمالين في عقد البيع، لا الحقيقي منها، بل المنتزع من إنشائها.
و بالجملة: إنّ هنا أُموراً ثلاثة: إيجاد المعنى باللفظ المسمّى بالإنشاء، و المصدر، و المنتزع منه، و هو المنشأ، و اسم المصدر و الأثر الواقعي و ما هو قابل للإجازة هو المنشأ، و اسم المصدر كما أنّه هو القابل للاستناد إلى المالك، فإنّ الأوّل و هو فعل الفاعل غير قابل للاستناد إلى غيره، و لا يتطرّق فيه التزلزل.
و بذلك ترتفع جملة من الإشكالات التي أورد أُستاذنا المحقّق مدّ ظلّه عليه كما لا يخفى. نعم، يبقى فيه عدم الدليل على لزوم الاستناد، غير ما مرّ من لزوم نحو ربط للعقد بالمالك أمّا بإذنه أو رضاه، و لعلّه أيضاً لا يريد أزيد من ذلك، فيرجع النزاع لفظيّاً.
نعم، يرد عليه إشكال: و هو أنّ الإجازة راجعة إلى فعل العاقد، لا المنتزع منه، فقوله: «بارك اللَّه في صفقة يمينك» تبريك و إمضاء لعقده، لا أنّه تصحيح للمعنى المنتزع من ذلك، اللّهم إلّا أن يقال: إنّ إمضاء العقد ينفذ العقد من جهة تصحيحه المبادلة الحاصلة، فكأنّه قال: «قبلت المبادلة الحاصلة و التزمت بها»، و هذا معنى الاستناد إلى المالك.
فعلى هذا لو كان تقريب كلام الفخر (رحمه اللَّه): أنّ العقد و المنتزع منه غير قابل للانفكاك، و الالتزام بالنقل التزام بالانفكاك، لارتبط جواب المحقّق النائيني (رحمه اللَّه) به، فإنّ المنتزع حاصل بالعقد، و الانفكاك واقع بين العقد و الأثر، و لا ضير فيه كما قال: «و على هذا التقريب لا يرد عليه النقض بالأُمور المتصرّمة و الأجزاء المتدرّجة في الوجود، فإنّه لا ينكر إمكان ترتّب المعلول على علّة ذات أجزاء متصرّمة، و المترتّبِ على الأُمور التدريجيّة، بل ينكر تخلّف اسم المصدر عن المصدر» (منية الطالب ١: ٢٣٦/ سطر ٢).
و كلامه هذا ينادي بأعلى صوته: بأنّ اسم المصدر مغاير للأثر، فكيف يمكن أن يسند خلافه إليه؟! و من غريب الأمر أنّ كلامه هنا صريح في ذلك، و في المسألة السابقة صرّح: بأنّ الإنشاء القولي يمكن انفكاكه عن اسم المصدر، فراجع.
و قد علم من ذلك أمر آخر يوافق ما ذكرنا: و هو عدم وجود ملزم لاعتبار البقاء، فإنّ المعلول المترتّب على الأمر التدريجي موجود في التكوين فليتدبّر فضلًا عن التشريع. المقرّر دامت بركاته.