البيع - القديري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٣٠
و يمكن الجواب عن هذا بوجهين:
أحدهما: أنّ دفع محذور الكذب شاهد على كون الحكم الفعلي في زمان نزول الآية حلّيّة مطلق البيع، و أمّا عدم حلّيّة ما ذكر فقد جعلت بعد ذلك.
و ثانيهما: أن عدم الحلّيّة فيما ذكر و إن كان صحيحاً، إلّا أنّه لا ينافي حكاية الإطلاق في الآية الكريمة، فإنّ المحكيّ بها حكم قانونيّ، و عدم حلّيّة ما ذكر من باب التقييد فيه؛ فما ثبت مقيّداً يؤخذ به و يقيّد به ذلك، و إلّا فيؤخذ بإطلاق المحكيّ.
و الحاصل: أنّ التنافي بين الحكمين الفعليّين، لا بين الحكم القانونيّ و الفعليّ، و نظير ذلك القوانين المجعولة اليوم، فإنّه يجعل أوّلًا حكم قانونيّ، ثمّ يبيّن قيوده و الشرائط المعتبرة فيه.
فالإشكال الأخير مدفوع.
على أنّه يمكن أن يقال: إنّ الآية واردة مقام إنشاء الحكم لا الإخبار؛ بتقريب أنّ صدرها، و هو الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبا. قضيّة حقيقيّة لا خارجيّة، و توطئة لبيان الحكم، و هو أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَ حَرَّمَ الرِّبا، و أمّا التعيير فإنّما هو من جهة أهميّة الحكم، فلا يكون قرينة على سبق الحكم، فتأمّل.
مناقشة الوجه الأوّل
و أمّا الإشكال الأوّل، فلو تمّ فلا يمكن الجواب عنه بما أجبنا به عن الأخير؛ لعدم توهّم الكذب في المقام، فإنّ الآية في مقام الحكاية عن قول المخالفين بالتسوية و الحكاية عن عدم التسوية في الشريعة المقدّسة، و ليست في مقام الحكاية عن التشريع؛ حتّى يقال: إنّ إطلاق الحكاية يقتضي إطلاق التشريع، فإنّ غاية ما يقتضيه إطلاق الحكاية هو إطلاق المحكي، و المحكيّ حكمهم بالتسوية و عدم التسوية في الشرع.