البيع - القديري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٧٣
التصرّفات، فبقاء سلطنة المالك و إباحة المباح له في التصرّف غير متنافيين، فضلًا عن كون أحدهما دافعاً لموضوع الآخر.
و إن أُريد منها محجوريّة الغير عن التصرّف في المال التي تكون من لوازم السلطنة لا نفسها فلا يجري فيها الاستصحاب، فإنّ المفروض أنّ المباح له لم يكن محجوراً في التصرّف. نعم، استصحاب الجواز في المقام جارٍ، فإنّه قبل زمان الشكّ يعلم بوجوده بالإجماع فيستصحب، و هذا حاكم على استصحاب الإباحة، فإنّ معنى الجواز زوال الملك على تقدير الرجوع، فتزول الإباحة بالرجوع [١].
هذا، و فيه: أنّه ليس معنى السلطنة تمامها القدرة على التصرّفات فقط، بل هي مع القدرة على منع الغير عن التصرّف في ماله. قام الإجماع على جواز تصرّف المباح له في مال المالك من دون رجوع و أمّا مع الرجوع بعد ظرف الشكّ فلا يعلم بارتفاع تمام السلطنة فيستصحب.
و بعبارة اخرى: قبل زمان الشكّ كان المالك قادراً على منع الغير و من الغير المباح له، و الآن كما كان، و هذا معنى استصحاب السلطنة. و أمّا استصحاب الجواز فقد تقدّم الكلام فيه و قلنا بأنّ الزوال عند الرجوع من الأحكام العقليّة و العقلائيّة للجواز لا نفسه [٢] فلا يثبت باستصحاب الجواز تأثير الرجوع و زوال الإباحة [٣].
[١] حاشية المكاسب، الأصفهاني ١: ٤٩/ سطر ٢١.
[٢] تقدّم في الصفحة ١٦٥.
[٣] فتحصّل ممّا أفاده مدّ ظلّه-: أنّه مع قطع النظر عن التقريبات السابقة لإثبات اللزوم مقتضى القاعدة التمسّك بإطلاق دليل السلطنة، و مع قطع النظر عن ذلك استصحاب بقاء السلطنة يعارَض باستصحاب بقاء الإباحة.
و ليعلم أنّ شيئاً من التقريبات السابقة لا يتمّ، فإنّ مضمون العقد ليس إلّا الملكيّة، و من آثار الملكيّة جواز تصرّف من انتقل إليه المال فيه، و ليس هذا من آثار العقد، و المفروض أنّ القصد أيضاً متعلّق بحصول الملكيّة، فمضمون العقد و هو المقصود في المعاطاة؛ أعني الملكية غير واقع بالإجماع، و التفكيك بين الملكية و لوازمها لغو محض؛ لأنّه لا معنى للتعبّد بعدم الملك مع بقاء لوازمه، فلا بدّ إمّا من القول بالإباحة المالكيّة من جهة رضاه بجواز التصرّفات، أو القول بالإباحة الشرعيّة من جهة حكم الشارع بها مترتّبة على المعاطاة و إن لم يقع مضمونها واقعاً، أمّا الأخير فلا دليل عليه، و لا يمكن التمسّك بها بأصالة اللزوم، و أمّا الأوّل فالرضا الفعلي ليس إلّا الرضا المعاملي، و المفروض عدم وقوع المعاملة، و الرضا التقديري لا أثر له، مضافاً إلى أنّه يختلف بحسب الموارد. و لا يمكن إثبات اللزوم بأدلّة اللزوم في مورد الرضا التقديري، و هذا ظاهر، فشيء من هذه التقريبات لا يتمّ.
و أمّا دليل السلطنة فدلالته ظاهرة، و مع قطع النظر عن ذلك يمكن استصحاب بقاء السلطنة أيضاً، فإنّ المفروض أنّ المالك قبل ظرف الشكّ كان مسلّطاً على الرجوع، و الآن كما كان.
و توهّم: أنّ هذا لا يثبت الزوال عند الرجوع، فإنّه من الأصل المثبت.
مدفوع: بأنّ الزوال عند الرجوع حكم عقلائيّ، و ليس موضوع الحكم عندهم نفس الجواز واقعاً، بل يعمّ الواقع و الظاهر، نظير حكم العقل بلزوم الامتثال في موارد استصحاب الأحكام، فمع التعبّد بتسلّط المالك على الرجوع يحكم العقلاء بالزوال عند الرجوع؛ لأنّ موضوع حكمهم و هو التعبّد بالتسلّط أو الجواز محرز بالوجدان، فافهم. فاستصحاب السلطنة حاكم على استصحاب الإباحة بالتقريب المتقدّم، و من هنا ظهرت تماميّة ما ذكره الشيخ (رحمه اللَّه) من حكومة استصحاب السلطنة على استصحاب الإباحة (المكاسب: ٩١/ سطر ١)، و تماميّة ما ذكره المحقّق الأصفهاني (رحمه اللَّه) أيضاً من حكومة استصحاب الجواز على استصحاب الإباحة (حاشية المكاسب، الأصفهاني ١: ٤٩/ سطر ٢٩).
فالنتيجة: جواز المعاطاة على تقدير الإباحة حتّى بعد عروض ما يوجب الشكّ فيه، فإنّ الكلام في الملزمات بعد تسليم قيام الإجماع على الجواز و الإباحة.
بقي الكلام في الفارق بين هذه المسألة و ما سبق من المصنّف (قدّس سرّه)؛ أي المعاطاة المقصود بها الإباحة: حيث ذكر في تلك المسألة أنّ الأقوى اللزوم، و بنى على الجواز هنا لقاعدة السلطنة، أو إباحتها مع جريان هذه القاعدة في السابقة أيضاً، و قد اعترض المرحوم النائيني (رحمه اللَّه) على المصنّف بذلك (منية الطالب ١: ٨٢ ٨٣)، و الفرق بين المسألتين واضح؛ فإنّ في تلك المسألة المفروض أنّ المقصود بالمعاطاة الإباحة، فعمومات لزوم العقد جارية فيها، فيثبت اللزوم شرعاً، و معه لا مجال للتمسّك بدليل السلطنة، بخلاف المقام، فإنّ المقصود بها الملك و لم يقع، و ما وقع حكم جديد يثبت بالإجماع أو دليل آخر غير مرتبط بالعقد و مضمونه، فإنّه إمّا مستند إلى الرضا التقديري بناء على كونه مالكيّاً، أو حكم الشارع به بناء على كونه شرعيّاً، و شيء من الأمرين غير مرتبط بالعقد، فإنّ الرضا الموجود فيها ليس إلّا الرضا المعاملي، و قد ألغاه الشارع عن التأثير، فالعمومات غير جارية في المقام، و استصحاب بقاء الإباحة قد عرفت ما فيه، فلم يبقَ إلّا استصحاب بقاء السلطنة على الرجوع، أو استصحاب الجواز على التقدير المتقدّم. فالاعتراض المذكور غير وارد على المصنّف. و الحمد للَّه ربّ العالمين. المقرّر حفظه اللَّه.