البيع - القديري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٤٩٠
الواقعي على الأغسال الآتية تبعاً للزمان؛ بحيث لو لم توجد الأغسال في محلّها لا يصير الصوم متقدّماً بالذات عليها، و هكذا الأثر في البيع الفضولي مترتّب على العقد المتقدّم بالحقيقة تبعاً للزمان على وقوع الإجازة؛ بحيث لا يكون العقد متقدّماً عليها بواقع التقدّم التبعي إلّا أن تكون الإجازة متحقّقة في ظرفها، فوقوع الإجازة في عمود الزمان المتأخّر يوجب كون العقد متقدّماً حق التقدّم، و هو متقدّم كذلك حال وجوده لوقوعها في ظرفها.
هذا، و يمكن حلّ الإشكال بنظر العرف، فإنّ الموضوعات الواقعة في لسان الأدلّة أُمور عرفيّة لا تنالها يد الدقّة العقليّة، و العرف يرى الإضافة إلى المتقدّم و المتأخّر كالمقارن، و يرى العقد متعقَّباً بالفعل مع عدم الإجازة الفعليّة، فيصحّ انتزاع هذه العناوين عندهم لأجل الملاكات و التخييلات المركوزة في أذهانهم، و من الممكن كون الأثر مترتّباً على المتعقّب في نظر العرف دون العقل، كما هو مقتضى أخذ الموضوعات من العرف [١].
[١] أقول: هذا التدقيق و التعمّق العقلي من سيّدنا الأُستاذ المحقّق مدّ ظلّه و إن بلغ غايته و وصل نهايته، و لعلّه لم يكن له بديل، إلّا أنّه:
أوّلًا: ليس من تصحيح الشرط المتأخّر في شيء، بل هو من التخلّص عنه إلى الشرط المقارن، نظير صاحب الفصول و صاحب الكفاية (قدّس سرّهما).
و ثانياً: أنّه لا يمكن الالتزام بذلك في التكوينيّات، فإنّ الأمر المتقدّم بواقع التقدّم لا يغاير حقيقته بحسب التكوين، مثلًا: ليس في العقدِ المتقدّمِ و حقيقته شيءٌ زائد على حقيقة نفس العقد، و الاختلاف في الأثر في التكوين فرع اختلاف المؤثّر في الحقيقة. نعم، يمكن الالتزام به في باب التشريع، فإنّ للاعتبار فيه مجالًا، فيمكن اعتبار حقيقة العقد موضوعاً للأثر، و يمكن اعتبار العقد المتقدّم كذلك.
فإذا وصل الكلام إلى الاعتبار لنا أن نقول: ما المانع من اعتبار المعتبر نفس الأمر المتأخّر موضوعاً لحكمه المتقدّم، كمثالنا السابق، أو المركّب من المتقدّم و المتأخّر موضوعاً له؟ و لا نرى أيّ مانع من اعتبار الشارع العقد الفعلي و الرضا المتأخّر موضوعاً لحكمه بالنفوذ فعلًا؛ لا وجداناً، بل الوجدان شاهد على إمكانه، و لا عقلًا، فإنّه اعتبار محض لما هو قابل للاعتبار، و هو أخذ الشيء موضوعاً للحكم و دخيلًا فيه اعتباراً. و ليس هذا من قبيل وقوع التناقض في الاعتبار، كما مثّل به الشيخ (رحمه اللَّه) في مقام النقض، و لعلّه أظهر من أن يخفى.
و لعمري إنّ إمكان الشرط المتأخّر بهذا المعنى من واضحات الأُصول، و لا يحتاج إلى مثل هذه التدقيقات الرشيقة الفائقة.
و أمّا ما هو الدخيل في متعلّق الحكم من الأمر المتأخّر، ليس إلّا نظير ما هو الدخيل فيه من الأمر المقارن و المتقدّم؛ من اعتبار تقيّد المأمور به في المتعلّق، و كما أنّه لا بدّ من تحصيل هذا التقيّد في المقارن و المتقدّم، كذلك لا بدّ من تحصيل هذا التقيّد في المتأخّر أيضاً، و بما أنّ المقام مقام الاعتبار فلا مانع من الأمر بما هو متقيّد كذلك؛ بحيث يقع المأتيّ به مصداقاً للأمر من الأوّل بشرط حصول القيد في ظرفه.
و الحاصل: أنّ هذا التقيّد ليس أمراً حقيقيّا تكوينيّاً؛ حتّى يقال بامتناع حصول التقيّد بدون حصول قيده، بل هو أمر اعتباريّ لا مانع من أخذه في المأمور به؛ بحيث يكون التقيّد موجوداً بالفعل لحصول القيد في ظرفه.
و أمّا قضيّة السبق و اللحوق أو التقدّم و التأخّر مفهوماً و واقعاً، فهذا فرار عن الإشكال، لا جواب عنه، مع عدم مساعدة الأدلّة على شيء منه، و بعبارة اخرى: خروج عن المتنازع فيه.
و لا بأس بالتعرّض لشرائط التكليف؛ تتميماً للفائدة.
دفع سيّدنا الأُستاذ المحقّق مدّ ظلّه الإشكال عن ذلك بما دفع صاحب الكفاية (قدّس سرّه) ذلك به، فإنّ البعث و الزجر من الأفعال الاختياريّة للمولى، و الشيء بوجوده اللحاظي شرط لذلك، لا الواقعي.
و فيه أوّلًا: ما أشكل هو مدّ ظلّه على صاحب الكفاية: من أنّ الملحوظ: هل هو الشرط حال وجوده، فيلزم ترتّب الحكم عليه حال وجوده، أو أنّه هو الشرط حال عدمه، فهو من الإشارة إلى المعدوم، و لا يعقل؟
و ثانياً: أنّ محلّ الكلام في شرائط التكليف و ليس مقام الجعل منها، بل إنّه مقام المجعول و انطباق الجعل، و شرائط الجعل غير شرائط المجعول. و الكلام في أنّه كيف يعقل وجود الحكم في مرحلة الانطباق مع عدم وجوده و موضوعه بالفعل؟! و هل هذا إلّا تخلّف الأثر عن المؤثّر؟! و الجواب عن الإشكال ما ذكرناه: من عدم إمكان المقايسة بين الاعتبار و التكوين، و لا مانع من أخذ شيء متأخّر موضوعاً للتكليف، و عليه عدّة من العلماء العظام و الأساتذة الكرام.
نقل استاذنا المحقّق مدّ ظلّه كلام المحقّق النائيني (رحمه اللَّه)، انظر فوائد الأُصول تقريرات المحقّق النائيني الكاظمي ١: ٢٧٥ ٢٧٦) على ما قرّره المقرّر في «تهذيب الأُصول».
و ملخّصه: خروج المقدّمات العقليّة و الانتزاعيّات و شرائط الجعل و قيود المأمور به عن حريم النزاع، و كون النزاع في شرائط الحكم وضعاً و تكليفاً في مرحلة الفعليّة و المجعول (تهذيب الأُصول تقريرات الإمام الخميني (رحمه اللَّه) السبحاني ١: ١٦٩ ١٧٠).
و أورد عليه بإيرادات كلّها مسلّم، عدا ما أفاد بقوله: «و رابعاً: فإنّ إخراج شرائط المأمور به ممّا لا وجه له؛ لأنّ الكلام ليس في تقييد المركّب بقيد خارجيّ، بل في صحّة المأمور به فعلًا؛ أعني صوم المستحاضة إذا أتت بالأغسال المستقبلة» (تهذيب الأُصول تقريرات الإمام الخميني (رحمه اللَّه) السبحاني ١: ١٧٠).
و الإشكال المتوهّم في هذا الباب جارٍ في الأجزاء أيضاً؛ لو قيل بصحّة الجزء الأوّل كصحّة التكبيرة بالفعل مع كونها مشروطة بوقوع الأجزاء الأُخر، فلا ينفع الفرار عن الإشكال بجعل شرائط المأمور به من قبيل الأجزاء حكماً.
أقول مستعيناً باللَّه: إنّ الصحّة ليست حكماً شرعيّاً؛ حتّى يقال: بأنّه كيف قيّدت بشرط متأخّر، بل إنّما هي منتزعة من انطباق المأمور به على المأتيّ به، فإذا سُلّم إمكان تقيّد المأمور به بأمر متأخّر، و خروج هذا عن محلّ الكلام، فلا مجال للحكم بعدم الصحّة فعلًا لعدم حصول الشرط، فإنّ الانطباق قهريّ، فإنّه يدور مدار كيفيّة متعلّق الجعل و المأتيّ به، فلو فرض إمكان التقييد كذلك و المفروض تحقّقه خارجاً كذلك انتزعت الصحّة لا محالة. نعم، يبقى السؤال عن إمكان حصول التقيّد مع عدم حصول القيد، و جوابه ما مرّ: من أنّ التقيّد الاعتباري أمره بيد من بيده الاعتبار، و تحقّقه يدور مدار انطباق الاعتبار عليه.
و أمّا ما أفاده في الواجبات المركّبة و جريان الإشكال فيه، فغريب؛ لأنّه هل يتمكّن من إنكار مثل هذه الواجبات، أو يتمكّن من إنكار اتّصاف الأجزاء بالصحّة الفعليّة، أو يتمكّن من إنكار اشتراط صحّة الأجزاء السابقة بالإتيان باللاحقة؟! كلّ ذلك لا سبيل إليه، و الإنصاف أنّ الواجبات المركّبة أقوى مادّة نقض للقائلين باستحالة الشرط المتأخّر بالنسبة إلى قيود المأمور به، بل مطلقاً، فإنّه لو أنكرنا إمكان الاعتبار كذلك فلا بدّ من إنكار الواجبات المركّبة أيضاً، فإنّه لا ينبغي الإشكال في اتّصاف الأجزاء اللاحقة بالصحّة الفعليّة حال وجودها بشرط إتمام العمل، فإنّ إنكار الاتّصاف منافٍ للقول بتعلّق الأمر به، فإنّ الأجزاء بأسرها عين المركّب، و القول بالاتّصاف بعد تمام العمل لا يقلّ محذوراً عن محذور الشرط المتأخّر، فإنّه أيضاً من الإشارة إلى المعدوم؛ فلم يبقَ إلّا ما ذكرنا، و الوجه في تصوير هذه الواجبات هو الوجه في الشرط المتأخّر في القيود المركّبة، فلا نعيد.
و أمّا ما ذكره المرحوم النائيني في وجه استحالة الشرط المتأخّر في الأحكام: من لزوم تأخّر أجزاء العلّة الفعليّة عن المعلول، و لزوم الخلف و المناقضة من وجود الحكم قبل وجود موضوعه (فوائد الأُصول تقريرات المحقّق النائيني الكاظمي ١: ٢٧٦ ٢٨٠)، فقد عرفت أنّه من الخلط بين التكوين و التشريع.
و ممّن يؤيّدنا في ما ذكرناه المحقّق الأصفهاني (قدّس سرّه) في حاشيته على المكاسب؛ حيث قال: «إنّ الإجازة الخارجيّة ليست دخيلة في الملكية؛ لا بنحو الاقتضاء بمعنى السببيّة، و لا بنحو الشرطيّة التي هي إمّا مصحّحة للفاعلية، أو متمّمة للقابلية، و عليه كما يمكن اعتبار الملكيّة للمعدوم مالكاً و مملوكاً، كذلك يمكن اعتباره للموصوف بوصف عنوانيّ في أُفق وجوده؛ بأن تُعتبر الملكيّة فعلًا لمن يمضي العقد فيما بعد». (حاشية المكاسب، المحقّق الأصفهاني ١: ١٤٥/ سطر ٣١).
هذا محصّل كلامه (رحمه اللَّه) فراجع لملاحظة تمامه.
نعم، تنظيره باعتبار الملكيّة للمعدوم مالكاً و مملوكاً لا يصحّ فإنّه غير معقول.
و ما توهّم فيه ذلك، نظير الوقف على البطون، أو بيع الثمرة المتأخّرة، و غير ذلك، فكلّها من اعتبار الملكيّة للعناوين مالكاً و مملوكاً، فلا تغفل.
و الحمد للَّه ربّ العالمين. المقرّر دامت بركاته.