البيع - القديري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ٢٥١
إنّ غاية ما يمكن أن يقال في تقريب القاعدة لإثبات ذلك وجهان:
أحدهما: أنّ «لا ضرر» قد أُطلقت على نحو الحقيقة الادّعائيّة، فإنّ الضرر في مواردها موجود تكويناً، و المصحّح للادّعاء إنّما هو لزوم تدارك الضرر، فالضرر المتدارك كأنّه لا ضرر، و لذا ادُّعي أنّه كذلك، ف «لا ضرر» ورد لبيان لزوم التدارك، و هذا معنى الضمان.
ثانيهما: أنّ «لا ضرر» ينفي كلّ ما يكون ضرريّاً في الشريعة المقدّسة، و منها الأحكام الضرريّة، و منها إضرار الناس بعضهم ببعض، و منها عدم اشتغال ذمّة الضارّ بما أضرّ به، فإنّه ضرريٌّ على الآخر، فيلزم تداركه، و هذا معنى الضمان.
و على أيّ تقدير، تمّت هذه التقريبات لولا القاعدة على عكس المطلوب أدلّ، فإنّ أخذ مال القابض المفروض عدم كون التلف مستنداً إليه؛ لا مباشرة و لا تسبيباً لتدارك المال التالف ضرر عليه، و لا ضرر، فالقاعدة تثبت عدم ضمان التلف.
و التوفيق بينها و بين حديث اليد [١]: إمّا بتخصيصها بالحديث، أو أن يقال: بأنّ رتبة المجعول في الحديث غير ضرريٌّ، فإنّ العُهْدة المحضة لا ضرر فيها أبداً، و المرتبة المتأخّرة عنها و هي مرتبة وجوب الأداء و إن كانت مرتبة شمول القاعدة، إلّا أنّه بعد ثبوت العُهْدة بالحديث يكون الأداء من قبيل أداء مال الغير، و هذا أجنبيّ عن مفاد القاعدة، و هذا نظير ما يقال في الزكاة: من أنّ رتبة جعل الشارع تشريك الفقراء في المال مع صاحبه، مقدّمة على رتبة شمول «لا ضرر»، و بعد ثبوت جعل التشريك- لعدم مزاحمة القاعدة له في هذه المرتبة يكون وجوب الأداء من قبيل وجوب أداء مال الغير، فتصبح القاعدة سالبة بانتفاء الموضوع.
و كيف كان، فتجشّم هذه الوجوه لدفع التدافع بين الحديث و القاعدة، إنّما هو على مذاق القوم في مفاد القاعدة، و إلّا فالأمر عندنا سهل، و التحقيق في مفادها
[١] تقدّم في الصفحة ٢٣٥.