البيع - القديري، الشيخ محمد حسن - الصفحة ١٨٣
و الشيء بهذا المعنى يقع مورداً للمعاملة في الكلّيّات، و يعتبر مالًا أو دَيْناً في ذمّة الغير، و إلّا فالشيء المقيّد بكونه في الذمّة المتشخّص بها لا وجود له إلّا فيها، و لا يقع مورداً لها، و لا يعتبر كذلك كما مرّ، و المقصود أنّ ثبوت الدَّين في الذمّة لا يعقل إلّا على هذا النحو؛ أي كونها مشتغلة بنفس طبيعة الشيء، و بيعه على من هو عليه أيضاً لا يعقل إلّا كذلك، و حيث إنّ الإنسان لا يملك ما في ذمّته يسقط دينه بشرائه؛ إمّا ابتداء، أو بعد تملّكه آناً ما على كلامٍ لسنا بصدد البحث عنه.
و الترادّ أيضاً لا يعقل إلّا كونه بهذا النحو أي تعلّقه بنفس الطبيعة، مضافاً إلى أنّه لا يتعلّق إلّا بما تعلّقت به المعاملة و هو كذلك، كما ذكرنا، و المفروض أنّ نفس الطبيعة غير قابلة للتكثّر، بل ما تعلّق به الترادّ هو عين ما تعلّق به العقد، و هو عين ما كانت الذمّة مشتغلة به، فلا يعقل تخلّل العدم فيها، فإنّه فرع التكثّر كما هو ظاهر.
هذا ما يقتضيه حكم العقل.
و أمّا حكم العقلاء فأيضاً ذلك؛ أ ترى أنّه لو باع زيد ما كان مالكاً في ذمّة عمرو كدينار مثلًا منه، ثمّ فسخ البيع بخيار و نحوه، أنّ العقلاء يتوقّفون في الحكم بنفوذ الفسخ، و كون زيد مالكاً لدينار في ذمّة عمرو بعد الفسخ، و يرون أنّ الدينار الساقط قد انعدم، و لا يعقل ردّه؛ لأنّ إعادة المعدوم ممّا امتنع؟! و الظاهر أنّ الأمر واضح، لكنّ الخلط إنّما نشأ من التمسّك ببعض المطالب العقليّة في ما لا بدّ من أن يؤخذ من العقلاء، و يرجع إليهم لكشف حكمه، و قد ظهر أنّ العقل و العقلاء متّفقان على ما ذكرنا.
هذا، مع أنّ ما ذكره أخيراً في وجه أنّ أمر السقوط أعظم من التلف: من أنّه لا معنى لاشتغال ذمّته بمثل الساقط للغير، فالظاهر أنّه من طغيان القلم، فإنّ المعتبر قبل الترادّ الملكيّ ليس اشتغال الذمّة للغير [١]، بل لا يعقل ذلك؛ لأنّ المفروض أنّ
[١] حاشية المكاسب، الأصفهاني ١: ٥٥/ سطر ١٨.