مجمع البيان في تفسير القرآن - ط دار المعرفة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٤٨١ - المعنى
(١) - و عنده خزائن الغيب من الأرزاق و الأعمار و تأويل الآية إن الله تعالى عالم بكل شيء من مبتدءات الأمور و عواقبها فهو يعجل ما تعجيله أصوب و أصلح و يؤخر ما تأخيره أصوب و أصلح و أنه الذي يفتح باب العلم لمن يريد من الأنبياء و الأولياء لأنه لا يعلم الغيب سواه و لا يقدر أحد أن يفتح باب العلم به للعباد إلا الله «وَ يَعْلَمُ مََا فِي اَلْبَرِّ وَ اَلْبَحْرِ» من حيوان و غيره و قال مجاهد البر القفار و البحر كل قرية فيها ماء «وَ مََا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلاََّ يَعْلَمُهََا» قال الزجاج المعنى أنه يعلمها ساقطة و ثابتة و أنت تقول ما يجيئك أحد إلا و أنا أعرفه فليس تأويله إلا و أنا أعرفه في حال مجيئه فقط و قيل يعلم ما سقط من ورق الأشجار و ما بقي و يعلم كم انقلبت ظهرا لبطن عند سقوطها «وَ لاََ حَبَّةٍ فِي ظُلُمََاتِ اَلْأَرْضِ» معناه و ما تسقط من حبة من باطن الأرض إلا يعلمها و كنى بالظلمة عن باطن الأرض لأنه لا تدرك كما لا يدرك ما حصل في الظلمة و قال ابن عباس يعني تحت الصخرة في أسفل الأرضين السبع أو تحت حجر أو شيء «وَ لاََ رَطْبٍ وَ لاََ يََابِسٍ» قد جمع الأشياء كلها في قوله «وَ لاََ رَطْبٍ وَ لاََ يََابِسٍ» لأن الأجسام كلها لا تخلو من أحد هذين و هو بمنزلة قولك و لا مجتمع و لا مفترق لأن الأجسام لا تخلو من أن تكون مجتمعة أو متفرقة و قيل يريد ما ينبت ما لا ينبت عن ابن عباس و عنه أيضا أن الرطب الماء و اليابس البادية و قيل الرطب الحي و اليابس الميت و روي عن أبي عبد الله (ع) أنه قال الورقة السقط الحبة الولد و ظلمات الأرض الأرحام و الرطب ما يحيا و اليابس ما يغيض
«إِلاََّ فِي كِتََابٍ» معناه و هو مكتوب في كتاب «مُبِينٍ» أي في اللوح المحفوظ و لم يكتبها في اللوح المحفوظ ليحفظها و يدرسها فإنه كان عالما بها قبل أن كتبها و لكن ليعارض الملائكة الحوادث على ممر الأيام بالمكتوب فيه فيجدونها موافقة للمكتوب فيه فيزدادون علما و يقينا بصفات الله تعالى و أيضا فإن المكلف إذا علم أن أعماله مكتوبة في اللوح المحفوظ تطالعها الملائكة قويت دواعيه إلى الأفعال الحسنة و ترك القبائح و قال الحسن هذا توكيد في الزجر عن المعاصي و الحث على البر لأن هذه الأشياء التي لا ثواب فيها و لا عقاب إذا كانت محصاة عنده محفوظة فالأعمال التي فيها الثواب و العقاب أولى بالحفظ و قيل إن قوله «فِي كِتََابٍ مُبِينٍ» معناه أنه محفوظ غير منسي و لا مغفول عنه كما يقول القائل لغيره ما تصنعه عندي مسطور مكتوب و إنما يريد بذلك أنه حافظ له يريد مكافاته عليه و أنشد:
(إن لسلمى عندنا ديوانا)
عن البلخي قال الجرجاني صاحب النظم تم الكلام عند قوله «وَ لاََ يََابِسٍ» ثم استأنف خبرا آخر بقوله «إِلاََّ فِي كِتََابٍ مُبِينٍ» يعني و هو في كتاب مبين أيضا لأنك لو جعلت قوله «إِلاََّ فِي كِتََابٍ مُبِينٍ» متصلا بالكلام الأول لفسد المعنى و لما نبه سبحانه بهذه الآية على أنه عالم لذاته من حيث