مجمع البيان في تفسير القرآن - ط دار المعرفة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٧٦٥ - المعنى
(١) -
المعنى
ثم ذكر سبحانه ما أخذ على الخلق من المواثيق بعقولهم عقيب ما ذكره من المواثيق التي في الكتب جمعا بين دلائل السمع و العقل و إبلاغا في إقامة الحجة فقال «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ» أي و اذكر لهم يا محمد إذ أخرج ربك «مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ» أي من ظهور بني آدم «ذُرِّيَّتَهُمْ وَ أَشْهَدَهُمْ عَلىََ أَنْفُسِهِمْ أَ لَسْتُ بِرَبِّكُمْ قََالُوا بَلىََ» اختلف العلماء من العام و الخاص في معنى هذه الآية و في هذا الإخراجو الإشهاد على وجوه (أحدها) أن الله تعالى أخرج ذرية آدم من صلبه كهيئة الذر فعرضهم على آدم و قال إني آخذ على ذريتك ميثاقهم أن يعبدوني و لا يشركوا بي شيئا و علي أرزاقهم ثم قال لهم أ لست بربكم قالوا بلى شهدنا أنك ربنا فقال للملائكة اشهدوا فقالوا شهدنا و قيل إن الله تعالى جعلهم فهماء عقلاء يسمعون خطابه و يفهمونه ثم ردهم إلى صلب آدم و الناس محبوسون بأجمعهم حتى يخرج كل من أخرجه الله في ذلك الوقت و كل من ثبت على الإسلام فهو على الفطرة الأولى و من كفر و جحد فقد تغير عن الفطرة الأولى عن جماعة من المفسرين و رووا في ذلك آثارا بعضها مرفوعة و بعضها موقوفة يجعلونها تأويلا للآية و رد المحققون هذا التأويل و قالوا إنه مما يشهد ظاهر القرآن بخلافه لأنه تعالى قال «وَ إِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ» و لم يقل من آدم و قال «مِنْ ظُهُورِهِمْ» و لم يقل من ظهره و قال «ذُرِّيَّتَهُمْ» و لم يقل ذريته ثم أخبر تعالى بأنه فعل ذلك لئلا يقولوا إنهم كانوا عن ذلك غافلين أو يعتذروا بشرك آبائهم و إنهم نشأوا على دينهم و هذا يقتضي أن يكون لهم آباء مشركون فلا يتناول الظاهر ولد آدم لصلبه و أيضا فإن هذه الذرية المستخرجة من صلب آدم لا يخلو إما أن جعلهم الله عقلاء أو لم يجعلهم كذلك فإن لم يجعلهم عقلاء فلا يصح أن يعرفوا التوحيد و أن يفهموا خطاب الله تعالى و إن جعلهم عقلاء و أخذ عليهم الميثاق فيجب أن يتذكروا ذلك و لا ينسوه لأن أخذ الميثاق لا يكون حجة على المأخوذ عليه إلا أن يكون ذاكرا له فيجب أن نذكر نحن الميثاق و لأنه لا يجوز أن ينسى الجمع الكثير و الجم الغفير من العقلاء شيئا كانوا عرفوه و ميزوه حتى لا يذكره واحد منهم و إن طال العهد أ لا ترى أن أهل الآخرة يعرفون كثيرا من أحوال الدنيا حتى يقول أهل الجنة لأهل النار أَنْ قَدْ وَجَدْنََا مََا وَعَدَنََا رَبُّنََا حَقًّا و لو جاز أن ينسوا ذلك مع هذا الكثرة لجاز أن يكون الله تعالى قد كلف الخلق فيما مضى ثم أعادهم إما ليثيبهم و إما ليعاقبهم و نسوا ذلك و ذلك يؤدي إلى التجاهل و إلى صحة مذهب التناسخية و حكي عن علي بن عيسى عن أبي بكر بن الإخشيد أنه جوز أن يكون خبر الذر صحيحا غير أنه قال ليس تأويل الآية على ذلك و يكون فائدته أنه إنما فعل ذلك ليجروا على الأعراق الكريمة في شكر النعمة و الإقرار لله تعالى