مجمع البيان في تفسير القرآن - ط دار المعرفة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٨١٩ - الحجة
(١) - يا أبت بفتح التاء أنه أراد يا أبتا فحذف الألف تخفيفا فإن قلت فهل يجوز أن نحمله على أنه أراد لتصيبن ثم أشبع الفتحة فأنشأ عنها ألفا كقول عنترة :
"ينباع من ذفري غضوب جسرة"
أراد ينبع و مثله قول ابن هرمة :
فأنت من الغوائل حين ترمي # و من ذم الرجال بمنتزاح
أي بمنتزح قيل قوله تعالى فيما يليه «وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللََّهَ شَدِيدُ اَلْعِقََابِ» أشبه بما ذكرناه و أما الوجه في قوله «لاََ تُصِيبَنَّ» فقد قال الزجاج زعم بعض النحويين إن هذا الكلام جزاء خبر و فيه طرف من النهي فإذا قلت أنزل عن الدابة لا تطرحك أو لا تطرحنك فهذا جواب الأمر بلفظ النهي و المعنى أنزل أن تنزل عنه لا تطرحك فإذا أتيت بالنون الخفيفة أو الثقيلة كان أوكد للكلام و مثله قوله تعالى «يََا أَيُّهَا اَلنَّمْلُ اُدْخُلُوا مَسََاكِنَكُمْ لاََ يَحْطِمَنَّكُمْ سُلَيْمََانُ » و المعنى إن تدخلوا لا يحطمنكم و يجوز أن يكون نهيا بعد أمر فيكون المعنى اتقوا فتنة ثم نهى بعده فقال «لاََ تُصِيبَنَّ» الفتنة «اَلَّذِينَ ظَلَمُوا» أي لا تتعرضن الذين ظلموا لما ينزل بهم معه العذاب و يكون بمعنى يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم أنها أمرت بالدخول ثم نهتهم أن يحطمنهم سليمان فقالت لا يحطمنكم سليمان و جنوده فلفظ النهي لسليمان و معناه للنمل كما تقول لا أرينك هاهنا قال أبو علي أنه حكى القول الأول على جهة احتمال الآية كاحتمالها للقول الثاني فأما القول الثاني فقول أبي الحسن و لا يصح عندنا إلا قول أبي الحسن لأن قوله «لاََ تُصِيبَنَّ» لا يخلو إما أن يكون جواب شرط و لا يجوز ذلك لأن دخول النون فيه يكون لضرورة الشعر كما أنشده سيبويه :
"و مهما تشأ منه فزارة تمنعن"
و أما أن يكون نهيا بعد أمر فاستغنى عن استعمال حرف العطف معه لاتصال الجملة الثانية بالأولى كما مضى ذكر أمثاله من قوله «ثَلاََثَةٌ رََابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ و أُولََئِكَ أَصْحََابُ اَلنََّارِ هُمْ فِيهََا خََالِدُونَ» * و هذا هو الصحيح دون الأول قال و محال أن يكون جواب الأمر بلفظ النهي كما يستحيل أن يكون جواب الشرط بلفظ النهي لأن جواب الأمر في الحقيقة جواب الشرط و لا يجوز أيضا أن يكون اللفظ لفظ النهي و المعنى معنى الجزاء لأن الجزاء خبر فحكمه أن يكون على ألفاظ الأخبار و ألفاظ الأخبار لا تجيء على لفظ الأمر إلا فيما علمته من قولهم أكرم به و مما يدل على أنه ليس