مجمع البيان في تفسير القرآن - ط دار المعرفة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٦٠٢ - المعنى
(١) -
المعنى
لما ذكر سبحانه الوعيد على المعاصي عقبه بذكر الوعد و تضعيف الجزاء في الطاعات فقال «مَنْ جََاءَ بِالْحَسَنَةِ فَلَهُ عَشْرُ أَمْثََالِهََا» أي من جاء بالخصلة الواحدة من خصال الطاعة فله عشر أمثالها من الثواب «وَ مَنْ جََاءَ بِالسَّيِّئَةِ» أي بالخصلة الواحدة من خصال الشر «فَلاََ يُجْزىََ إِلاََّ مِثْلَهََا» و ذلك من عظيم فضل الله تعالى و جزيل إنعامه على عباده حيث لا يقتصر في الثواب على قدر الاستحقاق بل يزيد عليه و ربما يعفو عن ذنوب المؤمن منا منه عليه و تفضلا و إن عاقب على قدر الاستحقاق عدلا و قيل المراد بالحسنة التوحيد و بالسيئة الشرك عن الحسن و أكثر المفسرين و على هذا فإن أصل الحسنات التوحيد و أسوء السيئات الكفر «وَ هُمْ لاََ يُظْلَمُونَ» بالزيادة على مقدار ما استحقوا من العقابثم اختلف الناس في أن هذه الحسنات العشر التي وعدها الله من جاء بالحسنة هل يكون كلها ثوابا أم لا فقال بعضهم لا يكون كلها ثوابا و إنما يكون الثواب منها الواحدة و التسع الزائدة تكون تفضلا و يؤيده قوله «لِيُوَفِّيَهُمْ أُجُورَهُمْ وَ يَزِيدَهُمْ مِنْ فَضْلِهِ» فيكون على هذا معنى عشر أمثالها في النعيم و اللذة لا في عظيم المنزلة و يجوز أن يكون التفضل مثل الثواب في الكثرة و اللذة و أن يميز منه الثواب بمقارنة التعظيم و الإجلال اللذين لولاهما لما حسن التكليف و هذا هو الصحيح و قال قوم لا يجوز أن يساوي الثواب و التفضل على وجه فيكون على قولهم كل ذلك ثوابا قال الزجاج إن المجازاة من الله عز و جل على الحسنة بدخول الجنة شيء لا يبلغ وصف مقداره فإذا قال عَشْرُ أَمْثََالِهََا و قال كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنََابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ و قال فَيُضََاعِفَهُ لَهُ أَضْعََافاً كَثِيرَةً فالمعنى في هذا كله أن جزاء الله سبحانه على الحسنات على التضعيف للمثل الواحد الذي هو النهاية في التقدير في النفوس فيضاعف الله سبحانه ذلك بما بين عشرة أضعاف إلى سبعمائة ضعف إلى أضعاف كثيرة و قد قيل أيضا في ذلك أن المعنى من جاء بالحسنة فله عشر أمثال المستحق عليها و المستحق لا يعلم مقداره إلا الله تعالى و ليس المراد أمثال ذلك في العدد و هذا كما يقول الإنسان لأجيره لك من الأجر مثل ما عملت أي مثل ما تستحقه بعملك و قد وردت الرواية عن المعرور بن سويد عن أبي ذر قال حدثني الصادق المصدق إن الله تعالى قال الحسنة عشر أو أزيد و السيئة واحدة أو أغفر فالويل لمن غلبت آحاده أعشاره.