مجمع البيان في تفسير القرآن - ط دار المعرفة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٦٢٣ - المعنى
(١) - لأولاد آدم «صِرََاطَكَ اَلْمُسْتَقِيمَ» أي على طريقك المستوي و هو طريق الحق لأصدنهم عنه بالإغواء حتى أصرفهم إلى طريق الباطل كيدا لهم و عداوة و قول من قال إنه لو كان ما يفعل به الإيمان هو بعينه ما يفعل به الكفر لكان قوله «فَبِمََا أَغْوَيْتَنِي» مساويا لقوله فيما أصلحتني يفسد بأن صفة الآلة إذا وقع بها الكفر صفتها إذا وقع بها الإيمان و إن كانت الآلة واحدة كما أن السيف واحد و يصلح لأن يستعمل في قتل المؤمن كما يصلح أن يستعمل في قتل الكافر و لا يجب من ذلك أن تكون الصفتان واحدة من أجل أنه واحد فلا يمتنع أن يكون متى استعملت آلة الإيمان في الضلال و الكفر تسمى إغواء و إن استعمل في الإيمان سميت هداية و إن كان ما يصح به الإيمان هو بعينه ما يصح به الكفر و الضلال} «ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَ مِنْ خَلْفِهِمْ وَ عَنْ أَيْمََانِهِمْ وَ عَنْ شَمََائِلِهِمْ» قيل في ذلك أقوال (أحدها) أن المعنى من قبل دنياهم و آخرتهم و من جهة حسناتهم و سيئاتهم عن ابن عباس و قتادة و السدي و ابن جريج و تلخيصه إني أزين لهم الدنيا و أخوفهم بالفقر و أقول لهم لا جنة و لا نار و لا بعث و لا حساب و أثبطهم عن الحسنات و أشغلهم عنها و أحبب إليهم السيئات و أحثهم عليها قال ابن عباس و إنما لم يقل و من فوقهم لأن فوقهم جهة نزول الرحمة من السماء فلا سبيل له إلى ذلكو لم يقل من تحت أرجلهم لأن الإتيان منه موحش (و ثانيها) أن معنى «مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ» و «عَنْ أَيْمََانِهِمْ» من حيث يبصرون و «مِنْ خَلْفِهِمْ» و «عَنْ شَمََائِلِهِمْ» من حيث لا يبصرون عن مجاهد (و ثالثها) ما روي عن أبي جعفر (ع) قال «ثُمَّ لَآتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ» معناه أهون عليهم أمر الآخرة «وَ مِنْ خَلْفِهِمْ» آمرهم بجمع الأموال و البخل بها عن الحقوق لتبقى لورثتهم «وَ عَنْ أَيْمََانِهِمْ» أفسد عليهم أمر دينهم بتزيين الضلالة و تحسين الشبهة «وَ عَنْ شَمََائِلِهِمْ» بتحبيب اللذات إليهم و تغليب الشهوات على قلوبهم و إنما دخلت من في القدام و الخلف و عن في اليمين و الشمال لأن في القدام و الخلف معنى طلب النهاية و في اليمين و الشمال الانحراف عن الجهة «وَ لاََ تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شََاكِرِينَ» هذا إخبار من إبليس إن الله تعالى لا يجد أكثر خلقه شاكرين و قيل إنه يمكن أن يكون قد قال ذلك من أحد وجهين إما من جهة الملائكة بإخبار الله تعالى إياهم و إما عن ظن منه كما قال سبحانه «وَ لَقَدْ صَدَّقَ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ ظَنَّهُ» فإنه لما استنزل آدم ظن أن ذريته أيضا سيجيبونه لكونهم أضعف منه و القول الأول اختيار الجبائي و الثاني عن الحسن و أبي مسلم .