مجمع البيان في تفسير القرآن - ط دار المعرفة - الشيخ الطبرسي - الصفحة ٥٠٥ - المعنى
(١) -
تذكرونا إذ نقاتلكم # لا يضر معدما عدمه.
الإعراب
موضع أن يشاء نصب أي لا أخاف إلا مشيئة الله و هذا استثناء منقطع و قيل متصل و تقديره لا أخافهم إلا أن يشاء ربي إحياءهم و اقتدارهم و علما منصوب على التمييز.
المعنى
ثم ذكر سبحانه محاجة إبراهيم مع قومه فقال «وَ حََاجَّهُ قَوْمُهُ» أي خاصموه و جادلوه في الدين و خوفوه من ترك عبادة آلهتهم «قََالَ» أي إبراهيم لهم «أَ تُحََاجُّونِّي فِي اَللََّهِ وَ قَدْ هَدََانِ» أي وفقني لمعرفته و لطف بي في العلم بتوحيده و ترك الشرك و إخلاص العبادة له «وَ لاََ أَخََافُ مََا تُشْرِكُونَ بِهِ» أي لا أخاف منه ضررا إن كفرت به و لا أرجو نفعا إن عبدته لأنه بين صنم قد كسر فلم يدفع عن نفسه و نجم دل أفوله على حدوثه فكيف تحاجوننيو تدعونني إلى عبادة من لا يخاف ضره و لا يرجى نفعه «إِلاََّ أَنْ يَشََاءَ رَبِّي شَيْئاً» فيه قولان (أحدهما) أن معناه إلا أن يغلب الله هذه الأصنام التي تخوفونني بها فيحييها و يقدرها فتضر و تنفع فيكون ضررها و نفعها إذ ذاك دليلا على حدوثها أيضا و على توحيد الله و على أنه المستحق للعبادة دون غيره و أنه لا شريك له في ملكه ثم أثنى على الله سبحانه فقال «وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً» أي هو عالم بكل شيء ثم أمرهم بالتذكر و التدبر فقال «أَ فَلاََ تَتَذَكَّرُونَ» و الثاني قول الحسن معناه لا أخاف الأوثان إلا أن يشاء ربي أن يعذبني ببعض ذنوبي أو يشاء الإضرار بي ابتداء و الأول أجود ثم احتج (ع) عليهم و أكد الحجاج بقوله} «وَ كَيْفَ أَخََافُ مََا أَشْرَكْتُمْ» أي كيف تلزمونني أن أخاف ما أشركتم به من الأوثان المخلوقة و قد تبين حالهم في أنهم لا يضرون و لا ينفعون «وَ لاََ تَخََافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللََّهِ» أي و لا تخافون من هو القادر على الضر و النفع بل تجرؤون عليه بأن أشركتم أي جعلتم له شركاء في ملكه و تعبدونهم من دونه و قيل معناه كيف أخاف شرككم و أنا منه بريء و الله تعالى لا يعاقبني بفعلكم و أنتم لا تخافون و قد أشركتم به فيكون على هذا ما في قوله «مََا أَشْرَكْتُمْ» مصدرية «مََا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطََاناً» أي حجة على صحتهو هذا يدل على أن كل من قال قولا أو اعتقد مذهبا بغير حجة فهو مبطل «فَأَيُّ اَلْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ» أ نحن و قد عرفنا الله بأدلته و وجهنا العبادة نحوه أم أنتم و قد أشركتم بعبادة غيره من الأصنام و لو أطرحتم العصبية و الحمية لما وجدتم لهذا الحجاج مدفعا «إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ» أي تستعملون عقولكم و علومكم فتميزون الحق من الباطل و الدليل من الشبهة.