بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٧٨ - الاعتراض الثاني
الوجه الثالث: أن يفرض أنّ مفهوم زيد لم يحضر بسبب تصور مفهوم الإنسان نفسه، و لا في طوله، بل هو غائب مطلق عن أفق الذهن، لكن مع هذا الواضع أصدر حكمه على شيء لم يحضر في أفق نفسه، هذا أيضا أمر غير معقول، لأن الحاكم حينما يصدر حكمه، لا بد و أن يكون موضوع حكمه حاضرا في أفقه. و إذا بطل هذا الوجه الثالث، تعيّن الوجه الرابع.
الوجه الرابع: إنّ الواضع أصدر حكمه على نفس الإنسان نفسه- الجامع- الذي تصوره، إذن فيكون الوضع عاما، و الموضوع له عاما، أيضا، لأنه تصور العام، و أصدر حكمه على الجامع العام.
إذن فحاصل هذا الإشكال، هو: إن الواضع حينما يتصور الجامع:
فإن قيل: بأنه ينتقل من تصور الجامع إلى تصور زيد، فهذا خلف، لأن هذا معناه الوضع الخاص، و الموضوع له الخاص.
و إن قيل: إن مفهوم زيد و مفهوم الإنسان، يحضران بحضور واحد، و بشخص تصور واحد، فهذا غير معقول لتباين المفهومين.
و إن قيل: أن مفهوم زيد غائب عنه بقول مطلق، و مع هذا يصدر حكمه عليه، فهذا أيضا غير معقول لأن الحاكم كيف يصدر حكمه غيابيا على شيء لم يتصوره؟.
و إن قيل: إنه يصدر حكمه على نفس ما تصوره، و هو الجامع. إذن فقد صار الوضع عاما و الموضوع له عام.
و عليه: لا يمكن تصور الوضع العام و الموضوع له الخاص.
و في مقام الجواب على هذا الإشكال، نختار الوجه الرابع، و هو: إن الواضع يتصور الجامع و يضع اللفظ له، لكن مع هذا يصير الوضع من باب الوضع العام، و الموضوع له الخاص، بمعنى أنه يصدر حكمه على العام، لكن بحسب الحقيقة هذا الحكم يستقر على الخاص، لا على العام، و إن كان هذا