بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٢٩ - الوجه الثالث
لا للنسبة التي هي منشأ التحصيص و الضيق، بحيث يكون الضيق نفسه و التحصيص نفسه، هو مدلول الحرف ابتداء، حينئذ مرادكم هذا يكون مطلبا جديدا غير ما قلناه و لكن يرد عليه:
أولا: إنّ هذا التحصيص لا يعقل فرضه إلّا بلحاظ فرض نسبة في المرتبة السابقة كما بيّناه، و حينئذ ننقل الكلام إلى تلك النسبة، و نقول: إذا كان الحرف موضوعا للضيق الذي هو من تبعات تلك النسبة، إذن فما هو الدال على تلك النسبة؟.
فإن قيل: بأن هناك دالا آخر على تلك النسبة، فليس هناك من دال آخر على تلك النسبة غير الحرف.
و إن قيل: إن الدال عليها هو الحرف نفسه فقد انتهينا إلى أن الحروف موضوعة للنسب، و معه لا حاجة إلى مسألة الضيق و التضيق.
فابتداء نقول إنّ الحروف موضوعة للنسب، فلا يدخل التضيق في تصوير المعنى الحرفي، بل يكون إدخاله لغوا صرفا.
ثانيا: إنّ التحصيص قد يتفق في المعنى الحرفي، و قد لا يتفق. فهو ليس أمرا دائميا في المعنى الحرفي، و ذلك لأن قوام المعنى الحرفي بالنسبة، و النسبة قد يتولد منها التحصيص و التضييق في دائرة الصدق على الأفراد، و قد لا يتولد منها ذلك أصلا. لهذا نرى أن التحصيص ليس ملازما مع المعاني الحرفية. و هذا شاهد على أن الحرف ليس موضوعا بإزاء التحصيص.
فمثلا: حرف العطف، حينما نقول: جاء الإنسان و الحيوان، المراد بالإنسان الحصة الخاصة التي هي مع الحيوان، و المراد بالحيوان الحصة الخاصة التي هي مع الإنسان، يعني تلك الحصتين جاءتا معا.
و لكن ما ذا تقولون في قولنا) الحرارة و البرودة لا يجتمعان، فهنا هل المراد بالحرارة الحصة المقترنة مع البرودة، و بالبرودة الحصة المقترنة مع الحرارة، بحيث كلتا الحصتين لا تجتمعان؟.