بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٢٧ - الوجه الثالث
(في) مثلا لإبراز الحصة المخصوصة من الإنسان، و الضرب، و غيرها فالحصة الخاصة مستفادة بنحو تعدد الدال و المدلول، حيث أنّ هذه الحصة الخاصة تنحل إلى ذات الطبيعة، و إلى ضيق في هذه الطبيعة، فأصل الطبيعة مدلول عليه بالاسم، و الضيق مدلول عليه بالحرف.
و بهذا يصح القول بأن الحرف موضوع لتحصيص و تضييق المفاهيم الاسمية، بحيث تحدد دائرة قابلية انطباقها، فكلمة الضرب لو لا الحرف لكان لها قابلية الانطباق على الضرب في الدار، و الضرب في السوق، و غيره من أفراد الضرب، و لكن بلحاظ كلمة (في) تحدّدت و تضيقت قابلية هذه الطبيعة، و ليس المراد من الضيق مفهوم الضيق و عنوانه، فإنّ مفهوم الضيق من المفاهيم الاسمية المعبّر عنها بكلمة (ضيق)، و إنما المراد واقع الضيق، و واقع المحدودية، في المفهوم الاسمي.
فمدلول الحرف هو واقع الضيق بقطع النظر عن عالم الكلام، و عن عالم الخارج، فهو سنخ مفهوم محفوظ في نفسه، بقطع النظر عن هذين العالمين.
و تحقيق الحال في هذا الوجه هو: إنه كلما أحضرنا مفهومين من المفاهيم، من قبيل مفهوم الإنسان و الحصان، أو من قبيل مفهوم الضرب و الدار، فإنّ أمكن اختراع و انتزاع نسبة بحيث تقوم بين هذين المفهومين، كما هو الحال في الضرب و الدار، فإنه يمكن انتزاع نسبة ما بين الضرب و الدار و هي المعبّر عنها بنسبة الظرفية، فحينئذ لا محالة يعقل في طول ذلك أن نحصص هذا المفهوم إلى ما يكون واجدا للنسبة، و إلى ما يكون فاقدا لها، فنقول: بأن الضرب ينقسم إلى حصتين: إلى ما يكون طرفا لهذه النسبة، و إلى ما لا يكون طرفا لها. حينئذ بالإمكان تحصيص مفهوم الضرب بأخذ هذه النسبة فيه، إذ بأخذها ينشأ ضيق في دائرة صدق هذا المفهوم، بحيث يستحيل أن يصدق على فاقد النسبة، فإنّ الضرب المنسوب إلى الدار بنسبة الظرفية، يستحيل أن ينطبق على الضرب المنسوب إلى السوق، بنسبة الظرفية، لأن