بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢١٣ - العلامة الأولى التبادر
و الاعتبار، فيوجب انتقال الذهن من اللفظ إلى المعنى للعالم به، و يقال حينئذ: بأنّ المستعلم قبل أن يعلم بهذا الجعل، لا ينتقل ذهنه إلى هذا المعنى، و بعد علمه به لا حاجة إلى علاميّة التبادر في المقام.
و لكن بناء على مبنانا في حقيقة الوضع لا يتأتى إشكال الدور أصلا، لأننا قلنا في حقيقة الوضع: إنّه القرن الأكيد الشديد بين اللفظ و المعنى، و حينئذ من الواضح أن القرن بنفسه يكون سببا في التبادر، قبل أن يحصل العلم بالوضع، و يمكن معرفة ذلك بالالتفات إلى الطفل حيث يحصل عنده التبادر من لفظ (حليب) إلى المعنى المخصوص، مع أنّ الطفل لا علم له بالوضع.
و نقول: بأنّ العلم بالوضع يتوقف على أن يكون هناك انسباق و تبادر للمعنى من اللفظ. و أما التبادر لا يتوقف على العلم بالوضع، بل على روح الوضع، و هو القرن، فلا أساس لإشكال الدور. و هذا كله فيما إذا فرض أن علامة التبادر لوحظت بالنسبة إلى الجاهل المستعلم.
و أما إذا قلنا: بأن التبادر عند العالم إمارة على الوضع عند الجاهل، فهذا خارج عن محل الكلام، و داخل في الإطراد، فعلامة التبادر معقولة، لكن ليس بالتقريب الابتدائي المذكور، من أنّ التبادر و الانسباق له علتان: إمّا الوضع، و إما القرينة. فحيث لا قرينة يكشف التبادر كشفا إنّيا عن الوضع، من باب كشف المعلول عن العلة، بل الانسباق إلى ذهن المستعلم له ثلاث علل و توضيح ذلك:
إن الوضع روحه القرن، و هذا القرن على نحوين: شخصي و نوعي، فتارة يكون القرن بين اللفظ و المعنى في ذهن زيد قرنا شخصيا لمناسبات شخصية، و أخرى يكون قرنا نوعيا اجتماعيا بحيث يكون اللفظ مقرونا مع المعنى في ذهنه، لا باعتبار خصوصية في زيد، بل باعتبار أنه أحد أبناء اللغة و العرف. و هذا القرن النوعي هو ميزان الحجّية و الفهم في مقام استخراج المعاني من الألفاظ.