بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢١٤ - العلامة الأولى التبادر
و كل من القرنين يولّد الانسباق و التبادر إلى الذهن، و الوضع المطلوب إثباته بالعلامة، إنما هو القرن النوعي، لأننا بالوضع نريد أن نعيّن مراد المتكلم، لان القرن النوعي يستتبع ظهورا نوعيا، بينما القرن الشخصي يستتبع ظهورا شخصيا، و موضوع وجوب العمل هو الظهور النوعي.
فالتبادر ينشأ من أحد أمور ثلاثة: إمّا من القرينة، و إمّا من قرن أكيد نوعي بين اللفظ و المعنى و هو الوضع، و إمّا من قرن شخصي. و حينئذ في مقام إثبات علامة التبادر و استكشاف الوضع، لا بدّ من نفي الطرفين الأخيرين، و هما: القرينة و القرن الشخصي. أما احتمال نشوء التبادر من القرينة، فلا بدّ في نفي ذلك من الفحص عن كل ما يكتنف اللفظ من حال أو مقال، فإن حصل الجزم بعدم وجود القرينة بسبب الفحص فهو، و إلّا فلا يمكن إثبات الوضع و نفي القرينة المشكوكة بأصالة عدم القرينة لما تقدم من أنّ أصالة عدم القرينة من الإمارات العقلائية المتعبّد بها فقط في طريق معرفة مراد المتكلم.
و لا يسري التعبّد، للوصول إلى الوضع اللغوي، و هنا ليس المراد بأصالة عدم القرينة تشخيص مراد المتكلم، فإن مراده معلوم بالتبادر. و إنما المراد تشخيص الوضع و تعيينه، و هذا مما لا يقبله أصالة عدم القرينة. إذن فلا بدّ من الجزم بعدم القرينة، و إلّا بطلت علاميّة التبادر.
و أما احتمال نشوء التبادر من القرن الشخصي في شخص زيد بالخصوص، فيمكن نفيه بالفحص و التأمل في حياتنا، لنتأكد من عدم وقوع أمر يؤثر في ذلك، و يمكن نفيه أيضا بالأصل العقلائي، فإن السيرة العقلائية منعقدة في المقام على أصالة التطابق بين الظهور الشخصي، و الظهور النوعي- بين التبادر الشخصي، و التبادر النوعي-. فالعقلاء يجعلون الظهور الشخصي إمارة على الظهور النوعي، و يجعلون التبادر النوعي إمارة على الوضع بحيث يثبت به مراد المتكلم. فهذا الاحتمال الثاني يمكن نفيه بالأصل العقلائي، بمعنى جعل التبادر الشخصي إمارة عقلائية على نوعية التبادر، و بهذا تتم علاميّة التبادر.