بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ٢١٢ - العلامة الأولى التبادر
و قد أجاب عن ذلك صاحب الكفاية [١] (قده) بالتمييز بين العلم المتوقف على التبادر، و العلم الذي يتوقف عليه التبادر، فادّعى أنّ العلم الذي يتوقف على التبادر هو العلم التفصيلي بالوضع، و العلم الذي يتوقف عليه التبادر هو العلم الارتكازي بالوضع؛ فهذان نحوان من الوجود لهذا العلم: وجود إجمالي مقترن مع الغفلة، و وجود بارز ظاهر لا يتلاءم مع الغفلة، و حينئذ المتوقف على التبادر هو العلم التفصيلي البارز. و أما التبادر فلا يتوقف على العلم التفصيلي بالوضع، بل يكفي فيه العلم بالوضع بوجوده الإجمالي الارتكازي. إذن فالمتوقف على التبادر غير ما هو متوقف عليه التبادر، فلا دور في المقام.
و هذا الجواب لا محصّل له، لأن المقصود من التبادر إمّا تحصيل أصل العلم بالوضع، و إمّا مجرد تبديل العلم من كونه إجماليا إلى كونه تفصيليا.
فإن كان المقصود بالتبادر هو الأول: فإشكال الدور محكم في المقام، لأن أصل العلم بالوضع لا بد من فرض وجوده قبل التبادر، و لو بنحو ارتكازي كيما يكون سببا في إيجاد التبادر، فكيف يعقل تحصيل أصل العلم بالوضع بهذه العلامة؟.
و إن كان المقصود بالتبادر هو الثاني: فهذا يحصل بمجرد الاستعلام، و التوجه إلى تحويل العلم الارتكازي إلى علم تفصيلي، بلا حاجة إلى أن يطلب ذلك بالتبادر. فالذي يريد أن يحوّل علمه الارتكازي إلى علم تفصيلي بالوضع، فبهذه الإرادة، و بمجرّد، الالتفات و التوجه إلى ذلك، يحصل لديه المطلب، بدون أن تصل النوبة إلى التبادر.
و لكن الصحيح: إنّ إشكال الدور في المقام لا أساس له أصلا، لأنه مبني على التصورات المتعارفة في باب الوضع، من كون الوضع هو الجعل
[١] حقائق الأصول ج ١ ص ٤٢- ٤٣.