بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٣٠ - الوجه الثالث
ليس هذا هو المقصود، بل المراد بيان أنهما لا يقترنان أصلا، فحرف العطف هنا لم يكن مؤثرا في تحصيص الحرارة، و لا في تحصيص البرودة بحصة خاصة من حصص هذه الطبيعة. و سبب ذلك أن الحرف ليس موضوعا ابتداء بإزاء التحصيص، و إنما هو موضوع لنسبة، و النسبة التي هي بإزاء حرف العطف، لا توجب التحصيص على ما يأتي توضيحه.
و كذلك حرف الاستثناء في قولنا: تصدّق بالدراهم العشرة إلّا واحدا.
فحرف الاستثناء بأي شيء يوجب تحصيص العشرة؟ هل يوجب تحصيص العشرة بالتسعة؟ فيما العشرة في نفسها لم يكن لها حصتان حصة تسعة و حصة عشرة، حتى يقال بأن (إلّا) تدل على تحصيص مفهوم العشرة بالعشرة الناقص واحد. فإن العشرة الناقص واحد ليس عشرة أصلا، و ليس فردا من أفراد مفهوم العشرة. فالتحصيص هنا غير معقول، بينما المعنى الحرفي معقول، لأن النسبة الاستثنائية بنفسها لا تتضمن التحصيص هنا على ما يأتي.
و يقال الشيء نفسه في حروف الإضراب- اضرب زيدا، بل عمرا- و في حروف التفسير- عندي إنسان أي حيوان ناطق- و هكذا كثير من الحروف لا يتعقل في مفادها تحصيص المعنى الاسمي، و ليس ذلك إلّا لأن تحصيص المعنى الاسمي من نتائج المعنى الحرفي، لا إنه هو المعنى الحرفي.
و أمّا معنى الحرف فهو النسبة و النسبة أحيانا توجب التحصيص و تضييق دائرة الانطباق على الأفراد، و أحيانا لا توجب ذلك.
إذن فالصحيح في المقام أن الوجه الثالث لا يكون مقبولا إلّا بعد إرجاعه إلى المسلك العام، و ذلك بأن نقول: بأن المراد من وضع الحرف للضيق في دائرة صدق المفهوم الاسمي، يعني لملاك و منشأ هذا الضيق، و هو النسبة، فيكون تعبيرا مسامحيا عن المسلك الثالث.
نعم يحتمل أن يكون هناك توجيه دقيق لكلام السيد الأستاذ، إلّا أن