بحوث في علم الأصول - الشيخ حسن عبد الساتر - الصفحة ١٢٦ - الوجه الثالث
فلو فرضنا أنّ الوجود الرابط ليس له تحقق في الخارج أصلا فهذا لا دخل له بالبحث الأصولي، إذن هذا المطلب و هو، هل إن هناك وجودا رابطا في الخارج، أو ليس هناك وجود رابط. لعلّ هذا من أهم الأبحاث الفلسفية، لكن لا دخل له بعالم الأصول، و عالم وضع الألفاظ، لأننا لا نقول بأن اللفظ موضوع بإزاء الوجود الرابط، بل هو موضوع بإزاء النسبة التي هي قوام ربط القضية في عالم ذهن المتكلم.
فالاعتراضات الثلاثة غير واردة بناء على هذا التفسير، نعم قد ترد لو كان مراد الأصفهاني (قده) هو وضع الحروف للوجود الرابط الخارجي، و اللّه أعلم بمراده.
الوجه الثالث:
و هذا الوجه الثالث هو مختار السيد الأستاذ- (قدّس سرّه)- و حاصل هذا المسلك هو [١]: إنّ المفاهيم الاسمية قابلة للتقسيم و التحصيص إلى حصص كثيرة، بحيث يكون المفهوم قابلا للانطباق على كل واحدة من تلك الحصص، فالضرب مثلا مفهوم كلي له أفراد كثيرة قابل للانطباق عليها انطباق الكلي على أفراده، فتارة الضرب في الطريق، أخرى في السوق، و ثالثة في المقهى، و هكذا. و كذلك مفهوم الإنسان، فإنه مفهوم كلي قابل للانطباق على أفراده الكثيرة، فينطبق على الإنسان الصغير، و الكبير، و الطويل، و الأسود، و الأبيض و هكذا. فإذا ما أردنا أن نعبّر عن حصة من حصص هذا المفهوم، و نبرزها عمّا عداها من الحصص، حينئذ أتينا بالحرف مبرزا لها، و مميّزا عما عداها، و هكذا فيما إذا كان الغرض قد تعلق بالأفراد- بأفراد الطبيعة-.
و أما إذا تعلق الغرض بنفس الطبيعة، حينئذ أتينا بنفس الإسم الموضوع للطبيعة، فتقول: الضرب موجود و الإنسان موجود، و هكذا فالإتيان بالاسم الموضوع لكلي الطبيعة لا يؤتى به لإفراز الحصة الخاصة، و إنما يؤتى بكلمة
[١] محاضرات فياض: ١/ ٧٦.