أنوار الهداية في التعليقة على الكفاية - الخميني، السيد روح الله - الصفحة ٤٣٩ - اشتراط جريان البراءة الشرعيّة بالفحص
رفع ما لا يعلم، بمعنى أنّ قاطبة الناس يجوز لهم عدم سماع قول الأنبياء و العلماء، و ترك تعلّم أحكام اللّه، و جعل أصابعهم في أذانهم، و الذهاب إلى أقطار لا يسمعون [فيها] من أحكامه شيئاً؟! فهل هذا إلّا الإذن بأن يصير الناس كالبهائم و المجانين؟! و إن أبيت عن التقييد العقليّ، و قلت: لا امتناع عند العقل- بعد وضوح كثير من الأحكام و العلم الإجماليّ بكثير منها- أن تجري البراءة بالنسبة إلى البقيّة، فلا أقلّ من انصراف أدلّة البراءة عمّا قبل الفحص [١].
[١] بل التحقيق أنّ في مثل قوله: (رفع .. ما لا يعلمون) لا يكون الموضوع هو عدم العلم الوجداني، حتّى تكون أدلّة الأمارات و الأُصول الحاكمة عليه من قبيل المخصّص له؛ لاستهجان مثله و لو كان بنحو الحكومة، بل الموضوع هو عدم الحجّة، فكأنّه قال: رفع ما لا حجّة عليه، و لا إشكال في أنّ الحجّة الموجودة في الكتاب و السنّة حجّة واصلة بحسب المتعارف، فمع عدم الفحص لا يعلم تحقّق موضوع الأصل، و هذا واضح لدى التأمّل.
و لو فرض الإطلاق فيقيّد بما في نفس أدلّة البراءة، مثل قوله تعالى: (ما كنّا معذّبين حتّى نبعث رسولًا) [١] فجعل بعث الرسول غاية لرفع التعذيب، و بمناسبة الحكم و الموضوع يكون المراد أنّ الرسول إذا بلَّغ من أُرسل إليه بحسب المتعارف تتمّ الحجّة و وقع التعذيب على فرض المخالفة، و المفروض- كما تقدّم- أنّ التبليغ المتعارف تحقّق، و وجود الأحكام في الكتاب و السنّة حجّة تامّة على الأُمّة، و لا يجوز لهم غضّ البصر عنها.
و مثله قوله: (لا يكلّف اللّه نفساً إلّا ما آتاها) [٢] بناءً على كونه من الأدلّة، و مثلهما الروايات التي بهذا المضمون أو قريبة منه، كقوله: (إنّما يحتجّ على العباد بما آتاهم و عرّفهم) [٣] و قوله: (كلّ شيء مطلق حتّى يرد فيه نهي) [٤] فإنّها صالحة لتقييد الإطلاقات على فرضها. [منه (قدّس سرّه)]
[١] الإسراء: ١٥.
[٢] الطلاق: ٧.
[٣] الكافي ١: ١٦٢- ١٦٣- ١ باب البيان و التعريف و لزوم الحجّة، باختلاف يسير.
[٤] الفقيه ١: ٢٠٨- ٢٢ باب ٤٥ في وصف الصلاة ..، الوسائل ١٨: ١٢٧- ١٢٨- ٦٠ باب ١٢ من أبواب صفات القاضي.