الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٤٨٤ - ٢٧ المتن
قال: فدعا النبي (صلّى اللّه عليه و آله) عليّا (عليه السلام)، و قال: احمل هذه الصحفة إلى القوم. قال علي (عليه السلام): فأتيت لأحملها فلم أطق، فاستعنت بأخي عقيل فلم نقدر، فتكامل معي أربعون رجلا فلم نقدر عليها، و النبي قائم على باب الحجرة ينظر إلينا و يتبسّم، فلمّا رآنا و لا طاقة بنا عليها قال: تباعدوا عنها. فتباعدنا، فطرح ذيل بردته على عاتقه و وضع كفّه تحت الصحفة و حملها، و جعل يجري بها كما ينحدر سحاب في صبب.
و وضع الصحفة بين أيدي المنافقين و كشف الغطاء عنها، و الصحفة على حالها لم ينقص منها و لا وزن خردلة ببركته. فلمّا نظر المنافقون إلى ذلك قال بعضهم لبعض، و الأصاغر للأكابر: لا جزيتم عنّا خيرا، أنتم صددتمونا عن الهدى بعد إذ جاءنا، و تصدّونا عن دين محمد، و لا بيان أوثق ممّا رأينا، و لا شرع أوضح ممّا سمعنا. و أنكر الأكابر على الأصاغر، فقالوا لهم: لا تعجبوا من هذا، فإن هذا قليل من سحر محمد.
فلمّا سمع النبي (صلّى اللّه عليه و آله) مقالتهم حزن حزنا شديدا، و قال: كلوا لا أشبع اللّه بطونكم. فكان الرجل منهم يلتقم اللقمة من الصحفة و يهوي بها إلى فيه، فيلوكها لوكا شديدا يمينا و شمالا، حتى إذا همّ ببلعها خرجت اللقمة من فيه كأنها حجر، فلمّا طال ذلك عليهم فزعوا إلى رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله) فقالوا: يا محمد! فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): يا محمد؟! فقالوا: يا أبا القاسم! فقال النبي (صلّى اللّه عليه و آله): يا أبا القاسم؟! فقالوا: يا رسول اللّه! فقال (صلّى اللّه عليه و آله): لبّيكم. و كان (صلّى اللّه عليه و آله) إذا نودي باسمه: يا أحمد! يا محمد! أجاب بهما، و إذا نودي بكنيته أجاب بها، و إذا نودي بالرسالة و النبوة أجاب بالتلبية.
ثم قال (صلّى اللّه عليه و آله): ما تريدون؟! قالوا: يا محمد! التوبة، فما نعود إلى نفاقنا أبدا. فقام النبي (صلّى اللّه عليه و آله) على قدميه و رفع يديه إلى السماء و قال: اللهم إن كانوا صادقين فتب عليهم، و إلّا فأرني فيهم آية لا تكون مسخا، لأنه رحيم بأمته.
قال: فما أشبه ذلك اليوم إلّا بيوم القيامة، كما قال اللّه تعالى: «يَوْمَ تَبْيَضُّ وُجُوهٌ وَ تَسْوَدُّ وُجُوهٌ» [١]، فأما من آمن بالنبي (صلّى اللّه عليه و آله) فصار وجهه كالشمس في إشراقها و كالقمر في
[١]. سورة آل عمران: الآية ١٠٦.