الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٣٣٠ - المتن
فإن هذا التشبيه يدلّ على كون مريم أفضل منهما أو السماوية لها، مع أن مريم تصلح أن تكون قابلتها و خادمة لها. فالسرّ في هذه النسبة و التشبيه أن مريم لمّا كانت من زمن زكريا معروفة بين الناس بالفضائل الكثيرة، من تسليم الملائكة عليها و تحدّثهم معها و نزول المائدة السماوية لها و غيرها من المحامد الجليلة و الفضائل الجمّة، و كانت معروفة باسم سيدة النساء و خيرها و كان ذلك شايعا بين الأنام، لا سيّما بين النصارى حتى جعلوها ثالثة ثلاثة.
و أما الصديقة الطاهرة (عليها السلام) و خديجة الكبرى كانتا في صدر الإسلام بل في جميع الأعصار و الأعوام مجهولتي القدر، و لم تكن أهل ذلك الزمان عارفين بمراتبها و تناسل الأئمة الأطهار (عليهم السلام) منها خصوصا الصديقة الطاهرة (عليها السلام)، حيث كان قدرها كقبرها و لم يكن أهل الجاهلية و لا المسلمون الذين كانوا حديثي عهد على الإسلام عارفين و لا متحمّلين لفضائلها.
فتشبيه النبي إيّاها (عليها السلام) بمريم و نسبتها إليها و ما يجري مجراها مما دلّ على تفضيلها عليها أو مساواتها لها أو على ما دون ذلك أيضا، إنما هي بالنظر إلى ما اشتهر بين الناس في مريم و بحسب إفهام أهل ذلك الزمان، و إلا فهي (عليها السلام) لا ينبغي أن يقاس بواحدة من النساء بل و لا بأحد من الأنبياء، كما سنفصّل ذلك عن قريب إن شاء اللّه.
و أما نزول المائدة السماوية، فليست مرتبة لها و شأنا، بل إنها فضيلة لجاريتها فضّة و خادمتها أم أيمن، كما سيأتي ضمن مناقبها إن شاء اللّه.
فإن قلت: قد صرّح سبحانه تعالى باسم مريم في كتابه العزيز في غير موضع و بمناقبها كما صرّح بأسماء الأنبياء بمناقبهم، فإذا كانت الصديقة (عليها السلام) أفضل من مريم بل و من الأنبياء فلم لم يصرّح سبحانه و تعالى باسمها و لم يذكر بمناقبها في آية من كتابه العزيز؟
قلت: السرّ في ذلك أن التصريح بأسماء النساء في أندية الرجال بل و في كل حال مستهجن قبيح، و لأجل ذلك لم يصرّح سبحانه و تعالى في كتابه العزير بأسماء النساء في آية من آياته الكريمة، بل في كل موضع منها كنّى عنهن بلفظ الأم و البنت و الأخت