الموسوعة الكبرى عن فاطمة الزهراء(ع) - الأنصاري الزنجاني، إسماعيل - الصفحة ٤١١ - المتن
فما استقرّ بهم الجلوس، إذ أقبل خويلد و دخل إلى خديجة و صار معها في الحجاب و قال: يا خديجة، أين عقلك، أين سؤددك؟ أ ما رضيت لك بالملوك و السادات و الأميال من قريش، و قد بذلوا لك الجزيل من المال و لم أرض بأحد منهم و ترضين أنت لنفسك بصبيّ يتيم فقير صعلوك، قد كان لك بالأمس أجيرا و اليوم يصير لك بعلا و أميرا؟! و لا كان ذلك أبدا و لو قتلت. لئن ذكرتيه لأعلونّك بهذا السيف و اليوم لا شك فيه سفك الدماء و ترمّل النساء.
ثم نهض على قدميه و أخذ سيفه بيده و خرج كأنه مجنون، حتى وقف بالأبطح، ثم عاد إلى منزل خديجة و وقف على رءوس الأشهاد و نادى: يا بني زهرة، يا بني عبد مناف، يا بني مخزوم، يا أهل صفا و زمزم! أشهدكم على أني لا أرضي محمدا لا بنتي بعلا و لا أراها له زوجة و لا أهلا، و لو دفع لي وزن أبو قبيس ذهبا، و من يلومني على ذلك فما بيني و بينه إلا السيف. فما مثلي من يخدع بشرب، و من يتطاول إليّ بالزواج فلا كان و لا عمرت به أوطان. ثم إنه أنشأ يقول:
و لو أنها قالت نعم لعلوتها * * * بشفرة عضب للجماجم فاصل
و من رام تزويج ابنتي بمحمد * * * و إن رضيت يا قوم لست بفاعل
و لست رضى التزوّج بالشرب نافعا * * * و هذا مقال الحق هل من مقاتل
قال: فلما سمع حمزة كلامه، التفت إلى أبي طالب و قال: ما بقي للجلوس موضع، قوموا عن إثارة الفتنة. فبينما هم كذلك، إذ أقبلت جارية من عند خديجة إلى أبي طالب قالت كلّم مولاتي خديجة. فوقف أبو طالب من وراء الحجاب، فقالت خديجة: نعمت صباحا يا سيد العرب، لا تفتّر بشقشقة لسان أبي، فإنه ينصلح بأقلّ الأشياء. ثم أخذت كيسا من الورق فيه ألف دينار و قالت له: يا سيدي، خذ هذا المال و سر به إلى أبي- و كانك تعاتبه- و صبّ هذا المال في حجره، فإنه يرضي.
قال: و سار أبو طالب حتى لحق بخويلد و قال: يا أبا البيان، ادن منّي. قال: لا أدنو منك. قال: يا أبا البيان، ادن منّي، إنما هو كلام تسمعه، فإن لم يرضك و إلا فما أحد