العقد الثمين في تاريخ البلد الأمين - الفاسي، محمد بن أحمد - الصفحة ٣٩ - محمود بن عمر بن محمد بن عمر الخوارزمى الحنفى، أبو القاسم، المعروف بالزمخشرى
لم يعلم صورة الحال أنها قطعت لريبة، و الثلج و البرد كثيرا ما يؤثر فى الأطراف فى تلك البلاد فتسقط، خصوصا خوارزم، فإنها فى غاية البرد.
و لقد شاهدت خلقا كثيرا ممن سقطت أطرافهم بهذا السبب، فلا يستبعده من لم يعهده. و رأيت فى تاريخ بعض المتأخرين، أن الزمخشرى لما دخل بغداد، و اجتمع بالفقيه الحنفى الدامغانى، و سأله عن سبب قطع رجله، فقال: دعاء الوالدة، و ذلك أننى كنت فى صباى، أمسكت عصفورا و ربطته بخيط فى رجله، فانفلت من يدى، فأدركته و قد دخل فى خرق فجذبته، فانقطعت رجله فى الخيط، فتألّمت والدتى لذلك، و قالت:
قطع اللّه رجل الأبعد، كما قطعت رجله، فلما وصلت إلى سنّ الطلب، رحلت إلى بخارى لطلب العلم، فسقطت عن الدابة، فانكسرت رجلى، و عملت علىّ عملا أوجب قطعها. و اللّه تعالى أعلم بالصحة.
و كان الزمخشرى المذكور، معتزلى الاعتقاد متظاهرا به، حتى نقل عنه، أنه كان إذا قصد صاحبا له و استأذن عليه فى الدخول، يقول لمن يأخذ له الإذن: قل له أبو القاسم المعتزلى بالباب.
و أول ما صنّف كتاب «الكشاف» كتب استفتاح الخطبة: «الحمد للّه الذى خلق القرآن» فيقال إنه قيل له: متى تركته على هذه الهيئة هجره الناس، و لا يرغب أحد فيه، فغيّرها بقوله: «الحمد للّه الذى جعل القرآن» و «جعل» عندهم بمعنى «خلق» و البحث فى ذلك يطول، و رأيت فى كثير من النسخ: الحمد للّه الذى أنزل القرآن. و هذا إصلاح الناس لا إصلاح المؤلف.
و كان أبو الطاهر أحمد بن محمد السلفى المقدم ذكره، قد كتب إليه من الإسكندرية، و هو يومئذ يجاور بمكة، يستجيزه فى مسموعاته و مصنفاته، فرد عليه جوابه بما لا يشفى الغليل، فلما كان فى العام الثانى، كتب إليه أيضا مع بعض الحجاج استجازة أخرى، اقترح فيها مقصوده، ثم قال فى آخرها: «و لا يحوج أدام اللّه توفيقه إلى المراجعة، فالمسافة بعيدة، و قد كاتبته فى السنة الماضية فلم يجب بما يشفى الغليل، و له فى ذلك الأجر الجزيل».
فكتب الزمخشرى سامحه اللّه جوابه، و لو لا خوف التطويل، لكتبت الاستدعاء و الجواب، لكن نقتصر على بعض الجواب فنذكر شيئا من ذلك، و قد رأيت أنى أثبت السؤال و الجواب بنصه، لما فى ذلك من الفوائد، على ما وجدته منقولا فى نسخة منقولة، من نسخة نسخت من الأصل، و نص ذلك: