الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٤٨٠ - الإمام الباقر و عبد الملك
فكتب إلى عامله بالمدينة: أن أشخص إليّ محمد بن علي بن الحسين مكرما، و متعه بمائة ألف درهم لجهازه و بثلاثمائة ألف لنفقته، و أرح عليه في جهازه و جهاز من يخرج معه من أصحابه، و حبس عبد الملك رسول ملك الروم إلى موافاة محمد بن علي الباقر، فلما وافاه أخبره الخبر، فقال له محمد الباقر: لا يعظم عليك فإنه ليس بشيء من جهتين: إحداهما أن اللّه عز و جل لم يكن ليطلق ما تهدد به صاحب الروم في رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و الثاني وجود الحيلة فيه قال: و ما هي؟ قال: تدعو بصاغة فيضربون بين يديك سككا للدراهم و الدنانير و تجعل النقش عليها سورة التوحيد إلى آخر القصة [١].
و على أي حال فالإمام أبو جعفر الباقر أعلم أهل زمانه و سيد الهاشميين و أفضلهم في عصره، و لم يكن ليحيا حياة العزلة أو ينضم في زاوية الخمول، بل كانت له شهرة، و لمدرسته أثر في توجيه الفكر. تخرج منها علماء الأمة الذين هم مفخرة الزمن.
و قد نظر إليه رجال السلطة نظر تهيب و تحفظ، و وقفوا أمام نشر تعاليمه و انتشار ذكره موقف المعارضة، لأن ذلك يهدد مناصبهم التي أحاطت بها هالة من الجهل، و التف حولها أعداء الفضيلة و خصوم الحق، و قد تحمل (صلوات اللّه عليه) ضروب الأذى، و ثبت أمام تلك المصاعب مجاهدا لإحياء الدين و تأييد الشريعة و خدمة الإنسانية، و دعا المسلمين لما فيه صلاح دينهم و دنياهم ليصبحوا أمة أبرارا، يتعاونون على البر و التقوى و العدل و الإحسان، حتى قضى صابرا محتسبا، سنة ١١٤ ه- مسموما و دفن بالبقيع مع أبيه زين العابدين (عليه السلام) و الحسن السبط (عليه السلام).
فسلام عليه يوم ولد و يوم مات و يوم يبعث حيا. و قد أوصى لولده الإمام جعفر بن محمد الصادق بما أوصاه به أبوه زين العابدين عند ما حضرته الوفاة بقوله:
يا بني إن العقل رائد الروح، و العلم رائد العقل، و العقل ترجمان العلم، و اعلم أن العلم أبقى و اللسان أكثر هذرا، إلى أن قال له: إن الساعات تذهب عمرك و إنك لا تنال نعمة إلا بفراق أخرى، فإياك و الأمل الطويل فكم من مؤمل أملا لا يبلغه، و جامع
[١] الدميري ج ٢ ص ٥٥، و المحاسن و المساوي للبيهقي، و العقد المنير ص ١٨ و هامش شذور العقود ص ٧ و قد نسب ابن الأثير هذه الفكرة لخالد بن يزيد و هي خطأ.