الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٠٩ - بين المد و الجزر
هكذا دون بعض أصحاب المناقب هذه الأسطورة و لم يلتفتوا إلى المؤاخذات فإنهم ذكروا أن هذه القصة قد وقعت في بغداد، و لا يتأتى ذلك، فإن بغداد مصرت في زمن المنصور سنة ١٤٥ ه- فيكون عمر أبي حنيفة في هذه القصة ٦٥ سنة فكيف كان عمره سبع سنين؟ و إن وفاة أستاذه حماد بن أبي سليمان سنة ١٢٠ ه- بالاتفاق، أي قبل تمصير بغداد بخمس و عشرين سنة. مع أن أبا حنيفة تتلمذ على يد حماد، بعد أن قضى شطرا من عمره في بيع الخز، و اشتغل مدة بعلم الكلام، و بعد ذلك التحق بحلقة حماد.
و قد ذكرت هذه الأسطورة في عدة كتب و علق بعضهم عليها بقوله: هذا حال الإمام في صغره فكيف في كبره [١].
أما الصورة التي ينقلها الخوارزمي فهي:
إن ملك الروم بعث مالا عظيما بيد أمين إلى بغداد، و قال: سلهم عن ثلاث مسائل، فإن هم أجابوا فادفع إليهم المال، و إلا فارجع به، فلما قدم بغداد جمع العلماء و صعد الرومي المنبر و قال: إن أجبتم عن أسئلتي أعطيتكم المال، و إلا رجعت به، فسألهم و سكت القوم و فيهم أبو حنيفة، و هو يومئذ صبي، فقال لأبيه: يا أبتا أنا أجيبه، فأسكته أبوه، و قام أبو حنيفة و استأذن الخليفة في الجواب و صعد أبو حنيفة المنبر. الخ. هكذا أوردوا هذه الأسطورة و اختلفوا بطرق نقلها.
و من أظرف ما نقلوه ما يرويه صاحب مفتاح السعادة أن ثابتا توفي و تزوج الإمام الصادق (عليه السلام) أم الإمام أبي حنيفة، و كان أبو حنيفة (رحمه اللّه) صغيرا و تربى في حجر الإمام جعفر الصادق و أخذ علومه منه. قال مؤلفه: و هذه إن ثبتت فهي منقبة لأبي حنيفة، و قد أيد ذلك قاضي زاده شريف مخدوم فقال: و بعد وفاة الثابت، أي والد أبي حنيفة، تزوج أم الإمام (رحمه اللّه) الإمام جعفر الصادق و ربى أبو حنيفة في حجره [٢].
و كيف يتأتى ذلك و يستقيم و إن أبا حنيفة كان صغيرا و تربى في حجر الإمام الصادق و قد كانت ولادة أبي حنيفة سنة ٨٠ ه- و ولادة الصادق سنة ٨٣ ه-؟ فلا يصح
[١] مفتاح السعادة ج ٢ ص ٢٠١، و شرح وصية أبي حنيفة المخطوط بمكتبة الإمام كاشف الغطاء.
[٢] جامع الرموز ج ١ ص ٢.