الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٨٨ - آراء حول الاجتهاد و التقليد
سئل الشيخ تقي الدين بن تيمية عن رجل تفقه على مذهب من المذاهب، و تبصر فيه، و اشتغل بعده بالحديث فوجد أحاديث صحيحة، لا يعلم لها ناسخا و لا مخصصا و لا معارضا، و ذلك المذهب فيه ما يخالف تلك الأحاديث، فهل له العمل بالمذهب، أو يجب عليه الرجوع إلى العمل بالحديث و مخالفة مذهبه؟ فأجاب بما هذا نصه:
الحمد للّه رب العالمين قد ثبت في الكتاب و السنة و الإجماع أن اللّه افترض على العباد طاعته و طاعة رسوله (صلّى اللّه عليه و آله و سلم)، و لم يوجب على هذه الأمة طاعة أحد بعينه في كل ما أمر به و نهى عنه إلا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلم، حتى كان صدّيق الأمة و أفضلها بعد نبيها عليه الصلاة و السلام، و رضي اللّه عنه يقول: أطيعوني ما أطعت اللّه، فإذا عصيت اللّه عز و جل فلا طاعة لي عليكم. و اتفق كلهم على أنه ليس أحد معصوما في كل ما أمر اللّه به و نهى عنه إلا رسول اللّه، و لهذا قال غير واحد من الأئمة: كل أحد يؤخذ من كلامه و يترك إلا رسول اللّه عليه الصلاة و السلام. و هؤلاء الأئمة الأربع رحمهم اللّه تعالى أجمعين قد نهوا الناس عن تقليدهم في كل ما يقولون، و ذلك هو الواجب، قال الإمام أبو حنيفة: هذا رأيي و هذا أحسن ما رأيت فمن جاء برأي خير منه قبلناه، و لهذا لما اجتمع أفضل أصحابه أبو يوسف بإمام دار الهجرة مالك بن أنس و سأله عن مسألة الصاع و صدقة الخضراوات، و مسألة الاجناس؟ فأخبر مالك بما دلت عليه السنة في ذلك. فقال أبو يوسف: رجعت لقولك يا أبا عبد اللّه و لو رأى صاحبي ما رأيت لرجع كما رجعت. و مالك (رحمه اللّه) كان يقول: إنما أنا بشر أصيب و أخطئ فاعرضوا قولي على الكتاب و السنة، أو كلام هذا معناه، و الشافعي (رحمه اللّه) كان يقول: إذا صح الحديث بخلاف قولي فاضربوا بقولي الحائط، و إذا رأيت الحجة موضوعة على طريق قولي [١].
«من حصر فضل اللّه على بعض خلقه، و قصر فهم هذه الشريعة المطهرة على من تقدم عصره، فقد تجرأ على اللّه عز و جل، ثم على شريعته الموضوعة لكل عباده الذين تعبدهم بالكتاب و السنة، فإذا كان التعبد بهما مختصا بأهل العصور السابقة و لم يبق لهؤلاء المتأخرين إلا التقليد لمن تقدمهم و لا يتمكنون من معرفة كتاب اللّه و سنة
[١] جلاء العينين للآلوسي ص ١٠٧.