الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٨٢ - توجيهه الأمة إلى الشعور بالمسؤولية
التفكير، ليعالج مشاكل ذلك المجتمع بالحكمة و الموعظة الحسنة، و يدعو الناس من طريق الهداية و الإرشاد إلى التمسك بتعاليم الدين، و تطبيق تلك النظم التي أهملها الحكام و جعلوها وراء ظهورهم.
و ازدهرت المدينة المنورة في عصر الإمام الصادق، و زخرت بطلاب العلم و وفود الأقطار الإسلامية، و انتظمت فيها حلقات الدرس، و كان بيته كجامعة إسلامية يزدحم فيه رجال العلم و حملة الحديث من مختلف الطبقات، ينتهلون موارد علمه و يقتبسون من ضياء معرفته، و قد اغتنموا تلك الفرصة فازدحموا عليه يسألونه إيضاح ما أشكل عليهم «فحمل الناس عنه من العلوم ما سارت به الركبان و انتشر ذكره في جميع البلدان» [١].
و ازدحم على بابه العلماء و اقتبس من مشكاة أنواره الأصفياء، و كان متجها إلى العمل بما يرضي اللّه لا يفتر عن ذكره و لا ينفك عن طاعته.
يحدثنا مالك بن أنس، و هو تلميذ الإمام تردد عليه زمانا طويلا قبل أن تفصل بينهما عوامل الدولة، و تحول وجهة نظر مالك عن الإمام عند ما رفعت من مقامه، و أعلت من شأنه، و وجهت الأنظار إليه طوعا أو كرها رهبة أو رغبة يقول: و لقد كنت أرى جعفر بن محمد و كان كثير التبسم، فإذا ذكر عنده النبي (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) اصفر لونه، و ما رأيته يحدّث عن رسول اللّه (صلّى اللّه عليه و آله و سلم) إلا على طهارة. و لقد اختلفت إليه زمانا فما كنت أراه إلا على ثلاث خصال: إما مصليا، و إما صامتا، و إما يقرأ القرآن، و لا يتكلم بما لا يعنيه، و كان من العلماء و العباد الذين يخشون اللّه [٢].
و في رواية الحافظ النيسابوري: و كان كثير الحديث طيب المجالسة كثير الفوائد، فإذا قال: قال رسول اللّه اخضر مرة و اصفر أخرى حتى ينكره من يعرفه.
و لقد حججت معه فلما استوت به راحلته عند الإحرام انقطع الصوت في حلقه و كاد يخرّ من راحلته.
و لو اطلعنا على أخبار الإمام الصادق و مناظراته لعلمنا حقيقة و واقع ذلك العصر في جانبه الديني و حياته الفكرية فهو عصر شهد تلاقح الأفكار و التقاء الآراء في اطار
[١] الصواعق المحرقة لابن حجر ص ١٢٠.
[٢] التوسل و الوسيلة لابن تيمية ص ٥٢.