الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ٣٥٨ - مشكلة الخراج
عليهم عمال السوء، و إن قوام الدين العدل و الإحسان، فلا يكن شيء أهم إليك من نفسك، فلا تحملها قليلا من الإثم، و لا تحمل خرابا على عامر، و خذ منه ما أطاق و أصلحه حتى يعمر. و لا يؤخذن من الغامر إلا وظيفة الخراج في رفق و تسكين لأهل الأرض، و لا تأخذن أجور الضرابين، و لا هدية النوروز و المهرجان، و لا ثمن المصحف، و لا أجور الفتوح، و لا أجور البيوت، و لا درهم النكاح. و لا خراج على من أسلم من أهل الأرض، فاتبع في ذلك أمري، فإني قد وليتك من ذلك ما ولاني اللّه. و لا تعجل دوني بقطع و لا صلب حتى تراجعني فيه، و انظر من أراد من الذرية أن يحج، فعجل له مائة ليحج بها و السلام [١].
و انتهى ذلك الإصلاح الذي سار فيه عمر بوفاته، لأن يزيد بن عبد الملك- عند ما ولي الخلافة- أمر بإعادة تلك الضرائب التي أمر عمر بإبطالها، فكتب إلى عماله:
أما بعد فإن عمر كان مغرورا، فدعوا ما كنتم تعرفون من عهده. و أعيدوا الناس إلى طبقتهم الأولى، أخصبوا أم أجدبوا، أحبوا أم كرهوا، حيوا أم ماتوا [٢].
فزاد الضغط و عظمت المحنة، و أصبحت هذه الضرائب عبئا ثقيلا على كاهل الأمة، و بالأخص البلاد المغلوبة التي وقعت تحت «إسراف العمال في تحصيل الأموال و جبايتها، و عبثهم بما تحت أيديهم منها، و إنفاقها في مصالحهم الشخصية، و قد كانت تتخذ أمرة إحدى الولايات وسيلة للحصول على الثروة و جمع المال» [٣] و مما يدلنا على عظيم الاهتمام بتحصيل الولاية للحصول على الثروة؛ قضية بلال بن أبي بردة عند ما وفد على عمر بن عبد العزيز فلزم المسجد يصلي و يديم الصلاة، فأعجب به عمر. فقال عمر لعلاء بن أبي بندار: إن يكن سر هذا كعلانيته، فهو رجل العراق غير مدافع. فقال العلماء: أنا آتيك بخبره، فجاء إليه و هو في المسجد و قال له: قد عرفت حالي من أمير المؤمنين، فإن أنا أشرت بك على ولاية العراق فما تجعل لي؟ قال: لك عمالتي سنة، و هي عشرين ألف ألف، قال: فاكتب بذلك،
[١] الكامل لابن الأثير ج ٥ ص ٢٩ و الطبري ج ٨ ص ١٣٩.
[٢] الطبري و الكامل لابن الأثير.
[٣] السيادة العربية ص ٣٠.