الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٧٧ - المذهب المالكي
بصورة هائلة كزميله المذهب الحنفي، فله أسوة به، و إذا ما قصرت خطاه في بعض الأماكن فبمجرد تولي القضاء المالكي من قبل رجال المذهب يزداد نشاطه و يشتد إقبال الناس عليه و تمسكهم به، لذلك أنه لما خمل ذكره في المدينة مدة من الزمن فبمجرد أن تولى قضاءها ابن فرحون أظهره بعد خموله، فيظهر لنا أن الزمن سار في انتشار هذه المذاهب لا على سبيل الاعتقاد و الواقع بل أن في الأمة ضعفاء قلدوا الأقوياء بأهم أمر و كان الأجدر استقلالهم بمعرفته، و أخذهم له من أهله، و أنى لهم ذلك و كل سلطة تحاول أن تجعل أمورها ذات صبغة دينية، و أمر التشريع بيد قضاة صارعتهم الدنيا فصرعتهم إلا من عصم اللّه و قليل ما هم.
قال ابن حزم: مذهبان انتشرا في مبدأ أمرهما بالرياسة و السلطان: مذهب أبي حنيفة فإنه لما ولي أبو يوسف القضاء كان لا يولي قاضيا إلا من أصحابه و المنتسبين إليه و إلى مذهبه.
و الثاني مذهب مالك عندنا في الأندلس فإن يحيى بن يحيى [١] كان مكينا عند السلطان مقبولا في القضاء، فكان لا يولي قاضيا في أقطار الأندلس إلا بمشورته و اختياره و لا يسبر إلا بأصحابه، و الناس سراع إلى الدنيا فأقبلوا على ما يرجون به بلوغ أغراضهم [٢].
و قال شاه ولي الدهلوي: و أي مذهب كان أصحابه مشهورين و أسند إليهم القضاء و الإفتاء و اشتهرت تصانيفهم في الناس، و درسوا درسا ظاهرا انتشر في أقطار الأرض، و أي مذهب كان أصحابه خاملين و لم يولوا القضاء و الإفتاء، و لم يرغب فيهم الناس اندرس مذهبهم بعد حين.
و هذا التعليل قد أجمعت عليه آراء المؤرخين و العلماء حتى لقد شاع بين الناس
[١] هو أبو محمد يحيى بن يحيى الأندلسي و يعرف بابن عيسى سمع مالك بن أنس و جمع مسائله و كتب سماع بن القاسم عن مالك ثم انصرف إلى المدينة ليسمعه من مالك فوجده عليلا فأقام بالمدينة إلى أن توفي مالك و قدم إلى الأندلس و خالف مالكا في كثير من المسائل قال أحمد بن خالد لم يعط أحد من أهل العلم بالأندلس منذ دخلها الإسلام من الحظوة و عظم القدر و جلالة الذكر ما أعطيه يحيى بن يحيى توفي سنة ٢٣٣ ه-.
[٢] ابن خلكان ج ٢ ص ١١٦.