الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٧ - كتاب الإمام الصادق و المذاهب الأربعة
عجالة دقيقة في الخلافة الإسلامية أرسلها المؤلف واضحة المعالم سافرة الأركان، يقرأها القارئ فيخيل إليه أنه يعيش في هذه الحقبة من التاريخ. إن هذا الأسلوب العلمي في علاج التاريخ الإسلامي خليق بأن ينال من النقاد الحظوة من التقدير، و خليق بأن يكون أساسا لما بعده من مؤلفات.
إننا في حاجة إلى دراسة التاريخ دراسة علمية، و في حاجة أشد إلى دراسة المذاهب السياسية و الفقهية في صورة أعمق مما وصل إلى أيدينا لنقول للمحق أحققت و للمخطئ أخطأت. و تشتد حاجتنا إلى هذه الدراسة حين نعلم عن يقين لا يقبل الشك القدر الذي لعبته السياسة الأموية و السياسة العباسية في تصوير المذاهب الفقهية، و حين نعلم عن يقين لا يقبل الشك مدى ما أصاب الشيعة من عنت و اضطهاد في ظل هاتين الأسرتين الحاكمتين خلال ثمانية قرون كاملة.
إن هذا الإحياء الصادق الذي يقوم به علماء الشيعة في صرح الثقافات الإسلامية يعتبر في نظري انعكاسا لهذه الثورة النفسية التي أشعلت نيرانها السياسة الأموية و العباسية في نفوس شيعة الإمام عليّ و الأئمة من بعده. و لقد كان اضطهاد هذه الشيعة بالقدر الذي خامر أعماق الإيمان و استقر في النفوس بحيث توارثه هؤلاء الشيعة في معارج التاريخ كلها و امتزج منهم بالدم و اللحم امتزاج الإيمان الصادق في نفوس المؤمنين.
فالشيعة- من هذه الناحية بالذات- مؤمنون عقائديون و ليس إيمانهم من هذا النوع الذي يقف عند حدّ التقليد و القول باللسان. و هذا الإيمان العميق المسلك العقائدي الذي يحياه الشيعة في كل قرن هو- وحده- سرّ هذا النشاط المستمر الملحوظ في دعوتهم، و هو أيضا سر الانبثاقات المتلاحقة في مؤلفاتهم و هذا النفس الطويل الذي نلمسه في كتاباتهم.
و لو شئنا أن ننصف المؤلف فيما كتبه عن «الإمام الصادق و المذاهب الأربعة» لاستوعب منا ذلك مجلدا، فقد أصدر المؤلف من هذا الكتاب ستة أجزاء كاملة مهد في أولها للتاريخ الإسلامي و الأدوار التي لعبها في خلق الأحداث المؤثرة في كيان المذاهب الفقهية، و كيف كانت حياة الإمام الصادق منها، و أين كان يقف المذهب الجعفري، ثم مدى تأثيره في المذاهب الأربعة الأخرى، و مدى ما بينه و بينها من خلافات أكثرها في الفروع و قليل منها في الأصول.