الإمام الصادق و المذاهب الأربعة - الشيخ أسد حيدر - الصفحة ١٥٩ - المدينة و الحركة العلمية
و في العهد العباسي نشطت الحركة العلمية و كان طبيعيا أن تنتعش العلوم في ظل سلطانهم لأنهم كانوا يجعلون حقهم في الإمامة قائما على أنهم سلالة النبي، و كانوا يقولون إنهم سيشيدون- على اطلال الحكومة الموسومة بالزندقة عند أهل التقى- نظاما على سنة النبي و أحكام الدين الإلهي.
فنهض أهل البيت و بقية العلماء لنشر العلم إذ وجد المسلمون حرية الرأي، و التفوا حول آل البيت لانتهال العلوم من موردهم العذب، و كان الإمام الصادق (عليه السلام) هو الشخصية التي يتطلع إليها الناس يوم طلع فجر النهضة العلمية فحملوا عنه إلى سائر الأقطار، و قصده طلاب العلم من الأنحاء القاصية، و فتحت مدرسته بتلك الفترة فكان المنتمون إليها أربعة آلاف كما مر ذكره.
و هذا النشاط العلمي لا يروق للدولة الفتية التي قامت على اطلال الدولة الأموية بدون حق شرعي، و إنما في صالح العلويين و انضمام العباسيين إليهم يطلبون الانتقام من أمية التي جرعتهم كأس الغصص فهم كسائر البيوتات التي انضمت لهذه الدعوة، و لكنهم نشطوا بالحيلة، و تغلبوا باصطناع المعروف لآل البيت فكانوا في حذر متواصل من العرب عامة و من المدينة خاصة، لأن الأمر في المدينة غيره في الكوفة، فأهل المدينة قد وقفوا على حقيقة البيعة و انها لآل علي (عليه السلام) دون بني العباس، كما أنهم كانوا في طليعة من بايع محمد بن عبد اللّه بن الحسن و في رقبة السفاح و المنصور بيعته فكيف يستقلان بالأمر و ينقضان تلك البيعة؟
و لكن السفاح استطاع بمهارته استجلاب قلوب الناس إليه و تثبيت قواعد ملكه على أيدي الفرس، لأنه لا يأمن وثبة العرب لجانب العلويين، فهم في نظر العباسيين أنصار بني علي لا أنصار بني العباس، كذلك كان من سياستهم في بدء الدعوة قتل كل من يتكلم بالعربية في بلاد فارس.
و مضى السفاح و جاء المنصور للحكم و هو ذلك الرجل الحديدي الذي يقتحم مواقع الخطر، و لا يتهيب من إراقة الدماء، و لا يقف أمامه حاجز و لا يردعه وازع ديني في سبيل تركيز دعائم ملكه، إذ كان الخطر محيطا به من كل الجهات و أمام غايته حواجز لا يتخطاها إلا بالتجرد عن العاطفة ففتك بأهل البيت و بكثير من العباسيين أنفسهم، و أبعد علماء المدينة و نصر الموالي و أوجد تلك المعركة القوية و هي معركة أهل الحديث و أهل الرأي.