غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٥٢٧ - مبحث اجتماع الأمر و النهي
ذهب الميرزا النائيني قدّس سرّه[١]إلى الأوّل و أنّ الإشكال عامّ فالحكم في الجميع واحد؛ لأنّ حديث الرفع[٢]إنّما رفع العقاب،أمّا المفسدة فهي باقية على حالها غير مرتفعة، و مع تحقّق المفسدة كيف يمكن أن يكون العمل مشمولا لإطلاق الأمر؟
و الجواب:أنّ حديث الرفع و إن كان لم يرفع المفسدة و إلاّ لم يكن مقتضى
للحكم حينئذ فلا يناسبه التعبير بالرفع إلاّ أنّا نسأل أنّ الحكم بالتحريم
لمّا ارتفع واقعا في صورة الإكراه و الاضطرار و النسيان كما مرّ في حديث
الرفع فهل صار العمل مباحا واقعا أم لا؟فإنّ مقتضى ارتفاع حرمته صيرورته
مباحا واقعا،بل و يقتضيه قوله: ما من محرّم إلاّ و قد أحلّه اللّه في حال
الاضطرار[٣].و إذا ثبتت الإباحة
الواقعيّة فلا مقتضي لتقييد إطلاق الأمر الوجوبي؛لأن المقتضي لتقييده إنّما
كان التحريم المفروض ارتفاعه واقعا في هذه الصور فلا مقتضي حينئذ لتقييده.
لا يقال:إنّ العمل لمّا كان مشتملا على المفسدة لم يكن صالحا للتقرّب به.
لأنّا نقول:إنّ المفسدة المغلوبة بمصلحة أقوى اقتضت دفع تأثيرها لا ترفع
صلاحيّة العمل للتقرّب،فحيث يرتفع التحريم الواقعي في صورة الإكراه و
الاضطرار و النسيان لا مانع حينئذ من الإطلاق في دليل الأمر.و هذا بخلاف
الجهل فإنّ الرفع فيه ظاهري،فالحكم الواقعي بالتحريم فيه موجود،و بوجوده
كيف يعقل الترخيص في تطبيق المأمور به على هذا الفرد؟فافهم.
و إن شئت فطبّقه على مثال عرفي:إذا أمر المولى عبده بكتابة كتاب إلى بلد و
نهاه أن يتصرّف بالحبر الفلاني مثلا حال اختياره أمّا إذا اكره فهو مرخّص
بالتصرّف
[١]انظر فوائد الأصول ١ و ٢:٤٤٣.
[٢]الوسائل ١١:٢٩٥،الباب ٥٦ من أبواب جهاد النفس،الحديث الأوّل.
[٣]لم نقف عليه بعينه و لكن ما ورد عنهم عليهم السّلام هكذا:ليس شيء ممّا حرّم اللّه إلاّ و قد أحلّه لمن اضطرّ إليه.الوسائل ١٦:١٣٧،الباب ١٢ من كتاب الايمان،الحديث ١٨.