غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ١١٦ - في أقسام الوضع
بينه و
بين القسم الثاني،و هو كون الوضع عامّا و الموضوع له خاصّا بدعوى أنّه كما
يكون تصور الكلّي موجبا لتصوّر الأفراد كذلك الفرد يكون موجبا لتصور
الكلّي،فإنّ الكلّي إنّما يتصوّر بأفراده الخارجية.
و بالجملة،إن كان التصوّر المعتبر في الوضع لابدّ أن يكون موجبا لتصوّر
الموضوع له بتمام خصوصيّاته فليس هذا التصوّر موجودا في القسم الثاني فكيف
التزمتم به؟و إن كان التصوّر بنحومّا كافيا فلا فرق بين هذا القسم الرابع و
القسم الثاني.
و لا يخفى عليك ما في هذا الكلام،فإنّ الكلّي مرآة لأفراده فتصوّره تصوّر لها.
بيان ذلك:أنّ تصوّر الكلّي يكون بنحوين:
-فتارة يتصوّر للحكم عليه بحكم يخصّه و لا يسري إلى أفراده أصلا كما في
قولنا:الإنسان كلّي أو نوع،فإنّ هذا الحكم حكم خاصّ بالكلّي من غير أن يكون
هذا المحمول ثابتا لفرد من أفراده،و تسمّى هذه المحمولات بالمعقولات
الثانوية،و في هذه لا يكون تصوّر الكلّي تصوّرا لأفراده أصلا؛ضرورة أنّ
الكلّية و النوعيّة ليستا من أحكام الأفراد.
-و اخرى يتصوّر للحكم عليه بحكم لا يصدق إلاّ في الخارج كما في قولنا:النار
حارّة،فهذا الحكم إنّما يثبت للنار باعتبار وجودها الخارجي الكائن في ضمن
الأفراد،و إلاّ فتصوّر النار ليس محرقا و الوضع من الأحكام أيضا على
الماهيّة بلحاظ أفرادها الخارجيّة،فهو يعني الكلّي مرآة لها حينئذ،فيصحّ أن
يتصوّر ذلك المعنى و يوضع ذلك اللفظ لأفراد ذلك المعنى الكلّي المتصوّر،و
هذا بخلاف العكس فإنّ تصوّر الفرد إن كان مع خصوصيّته الفرديّة فلا يوجب
تصوّر الأمر الكلّي أصلا،و إن كان مجرّدا عن خصوصيّته الفرديّة فهذا تصوّر
لنفس الكلّي لا الجزئي، غاية الأمر أنّه صار واسطة في ثبوت التصوّر للكلّي.