غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٥٣٦ - الكلام في أدلّة القائلين بالامتناع و الجواز
و كذلك
الكلام حيث يكون المأمور به عنوانا انتزاعيّا كإكرام العادل و المنهيّ عنه
عنوانا انتزاعيّا كإكرام الفاسق فإنّه ينظر إلى منشأ الانتزاع،فإن كان
واحدا فلا محيص عن الامتناع،و إن كان متعدّدا فلا مانع من الجواز.فإذا دخل
عادل و فاسق في مكان فأكرمهما أحد،فإن أكرمهما بعمل واحد كقيام واحد فلابدّ
من القول بالامتناع و لزوم تقييد أحد الإطلاقين،و إن أكرمهما بعملين كأن
قام للعادل و حيّا الفاسق بتحيّة فلا مانع حينئذ من توجّه الأمر نحو القيام
و توجّه النهي نحو التحيّة؛ لأنّهما شيئان لا ربط لأحدهما بالآخر،غاية
الأمر أنّه انضمّ أحدهما إلى الآخر في الوجود،و هذا غير ضائر كما هو واضح.
و بالجملة،فليس إطلاق القول بالجواز في محلّه كإطلاق القول بالامتناع،بل الحقّ هو التفصيل الذي فصّلناه،هذا كلّه حال الكبرى.
و أمّا تطبيقه على الصغريّات:ففي الوضوء بالماء المغصوب بما أنّ الوضوء أمر
انتزاعي من الغسلات و المسحات و التصرّف المنهيّ عنه أيضا أمر انتزاعي،و
حيث إنّ منشأ انتزاعهما هو نفس الغسل فلا محيص عن القول بالامتناع و بطلان
الوضوء، إلاّ أنّ مقتضى ذلك التسوية بين صورتي العلم و الجهل؛لأنّ الجهل لا
يغيّر الواقع عمّا هو عليه،و إنّما هو رافع للمؤاخذة و العقاب،إلاّ أنّ
الأصحاب أفتوا بالصحّة في صورة الجهل،و قد ادّعى صاحب مفتاح الكرامة
الإجماع على الصحّة في صورة الجهل[١]فإن تمّ الإجماع و كان تعبّديّا
،فبها و نعمت،و إلاّ فلابدّ من القول بالبطلان كما هو الظاهر؛لأنّه بعد أن كان التصرّف مبغوضا واقعا فقد خرج عن إطلاق الأمر،و الجهل لا يوجب دخوله تحت الإطلاق،فافهم و تأمّل في المقام فإنّه واضح.
[١]مفتاح الكرامة ١:٣٠٣.
()أشار بقوله و كان تعبّديّا،إلى أنّ الإجماع إنّما كان لشبهة حصلت عندهم من أنّ النهي إنّما يرفع الفعليّة إلى آخره و ليس تعبّديّا.