غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٣٤٨ - المقدّمة المفوّتة
و قوله تعالى: { لاََ يُكَلِّفُ اَللََّهُ نَفْساً إِلاََّ وُسْعَهََا } [١]يقيّد
التكليف فيبقى الملاك على إطلاقه.و سيأتي-إن شاء اللّه تعالى-في محلّه
تبعيّة الدلالة الالتزاميّة،فإذا قيّدت المطابقة بالحكم العقلي و الشرعي
بالقدرة قيّد الالتزام بهما،فلا يبقى على إطلاقه حينئذ.و لزوم القضاء مع
اختصاصه بما يقضى من المؤقّتات إنّما هو لوجود ملاك أصل الفعل بعد انعدام
ملاك الوقت.
و أمّا القسم الثاني:و هو ما كانت القدرة قيدا للملاك،فهي على أنحاء ثلاثة:
الأوّل:أن تكون القدرة آنا مّا و لو قبل زمان الواجب قيدا للملاك،و عليه
فيجب إبقاء القدرة حينئذ أيضا،لتحقّق الملاك بالقدرة آنا مّا،و تفويت
الملاك كتفويت الخطاب في القبح.و الجواب أنّه كبرى مسلّم،إلاّ أنّ الكلام
في الصغرى.
الثاني:أن تكون القدرة دخيلة في الملاك بعد تحقّق بعض المقدّمات،فيجوز
تفويت القدرة قبل تحقّق ذلك البعض لا بعدها و قبل زمان الواجب.و قد مثّلوا
لذلك بالحجّ،فإنّ القدرة قبل تحقّق الاستطاعة يجوز تفويتها لا بعدها.و هذا
المثال يتمّ إذا قلنا باستحالة الواجب المعلّق-كما ذهب إليه الميرزا
النائيني قدّس سرّه[٢]-أمّا بناء على إمكانه فعدم جواز التفويت لفعليّة الوجوب و إن تأخّر زمان الواجب،و حينئذ فهو أجنبيّ عن محلّ الكلام.
الثالث:أن تكون القدرة دخيلة في الملاك في زمان الواجب،فيجوز التفويت قبل
ذلك قطعا؛ضرورة أنّ المكلّف بتفويته القدرة يخرج نفسه عن موضوع التكليف،فلا
يكون مكلّفا و لا مفوّتا للملاك؛لعدم تحقّق فعليّة الملاك في حقّه أصلا.
و بالجملة،فهذه الأقسام و إن أمكنت في مقام الثبوت و يختلف الحكم باختلافها
أيضا،إلاّ أنّ إثباتها غير ممكن فيجوز التفويت للقدرة في جميعها،فافهم و
تأمّل.
[١]البقرة:٢٨٦.
[٢]أجود التقريرات ١:٢٠١ و ٢١٨.