غایة المأمول من علم الأصول - الجواهري، الشيخ محمد تقي - الصفحة ٢٣٣ - الجهة الرابعة في أنّ أفعال العباد لمن تستند؟
العصاة
أرقى مراقي جنّته!و أنّ الظلم منه لا يتحقّق و إن عاقب غير المستحقّ للعقاب
كما في العصاة،فإنّ الظلم هو التصرّف في سلطان الغير،و كلّ ما في العالم
تحت سلطان اللّه تعالى،فله أن يتصرّف فيه كيف شاء،و إنّه لا يسأل عن
شيء،فله أن يعاقب العصاة[١]و
ليس ذلك ظلما لهم؛إذ هم تحت سلطانه و الآيات الواردة في نفي الظلم عنه في
الحقيقة من قبيل السالبة بانتفاء الموضوع،و كيف يحكم المربوب على ربّه
بلزوم الثواب و وجوبه للمطيع و وجوب العقاب للعاصي؟و هل يمكن أن يحكم العبد
على مولاه؟...إلى آخر كلماتهم الفارغة عن المعاني المعقولة.
و الجواب:أنّ معنى حكم العقل ليس بمعنى أنّ العقل يلزمه بذلك،بل بمعنى أنّ
العقل يدرك أنّ اللّه كذلك،كما يدرك أنّه موجود و أنّه قادر و أنّه قديم
أزليّ...إلى آخر الصفات الثبوتيّة.فهذا العقل المدرك لذلك مدرك أنّه عادل و
ليس بظالم؛لأنّ الظلم إمّا أن ينشأ من الجهل أو العجز و تعالى اللّه
عنهما؛إذ إنّه إمّا أن يكون مريدا لشيء في يد الغير فيعجز عنه فحينئذ
يأخذه منه بغير حقّ فيكون ظلما،أو يكون جاهلا بأنّ الظلم قبيح،و كلاهما
منفيّان عنه تعالى.
و أمّا ما ذكروه:من أنّ الظلم لا يتحقّق إذ كلّ ما في العالم فهو ملك له و
ليس تصرّفه فيه تصرّفا في غير ملكه ففيه ما لا يخفى؛إذ إنّ الظلم غير منحصر
في التصرّف في ملك الغير،بل الظلم عبارة عن وضع الشيء في غير محلّه؛و لذا
يقال: ظلم نفسه،كما ورد في القرآن مرارا و كرارا.و حينئذ فإثابة العاصي و
حرمان المطيع بل عقابه وضع للشيء في غير محلّه،و يشهد لذلك ما نراه في
الموالي العرفيّة،فإنّ السيّد إذا كان له عبدان ملكا له و أحدهما من بدء
أمره مطيع و الآخر من بدء أمره عاص،فهل يحسن منه أن يثيب العاصي و يمنع
المطيع؟كلاّ!بل يعدّونه ظالما أو سفيها.
[١]كذا،و الظاهر:المطيعين.