الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٣٩ - كان يعمر داره و يبيضها و قال شعرا في ذلك
و أحسنه، و غنّتنا هزار في هذا الشعر رملا عجيبا.
زار في حداثته أبا عيسى بن المتوكل و أنشده من شعره في كره البنات فمدحه:
أخبرني الحسين بن القاسم الكاتب قال حدّثني إبراهيم بن خليل الهاشميّ قال:
دخلت يوما إلى أبي عيسى بن المتوكّل، فوجدت عبد اللّه بن المعتزّ و قد جاءه مسلّما، و سنّه يومئذ دون عشرين سنة، إذ دخل عليّ [١] بن محمد بن أبي الشّوارب القاضي، فأكرمه أبو عيسى و نهض إليه. فلما استقرّ به المجلس قال لأبي عيسى: قد احتجت إلى معونتك في أمر دفعت إليه لم أستغن فيه عن تكليفك المعاونة. قال:
و ما هو؟ قال: زوّجت بنتا من بناتنا رجلا من أهلنا، فخرج عن مذاهبنا، و أساء عشرة أهله، و جعل منزل عيسى بن هارون أكثر مظانّه و أوطانه، و يهدّدنا و يوعدنا بشرّه، حتى لقد نالنا من عيسى بسط ليده و لسانه فينا بالقبيح و القول السيئ، و كثرة معاونته له على ما يزري بدينه و نسبه. و قد توعّدنا بأنه يكشف وجهه لنا في معاونة صهرنا هذا الغاوي علينا. و لو لا نسبه الذي فخره لنا و عاره علينا، لانتصفنا منه بالحق دون التعدّي، إلّا أنّي أستعيذك منه./ فقال له أبو عيسى: أنا أوجّه إليه بعد انصرافك، و أراسله بما أنا المتكفّل بعده بألّا يعود إلى عشرته،/ و الضامن أن أردّ [٢] هذا الصّهر إلى حيث تحبّ و يقع بموافقتك. فشكره و دعا له و انصرف. فقال أبو عيسى: أ لا ترون إلى هذا الرجل النّبيه الفاضل السّريّ الشريف يدفع إلى مثل هذا! طوبى لمن لم تكن له بنت.
فقال عبد اللّه بن المعتزّ: أيّها الأمير إنّ لولدك في هذا المعنى شيئا قاله و استحسنه جماعة ممن يعلم و يقول الشعر.
فقال: هاته فداك عمّك. فأنشده لنفسه:
و بكر قلت موتي قبل بعل
و إن أثرى وعدّ من الصّميم
أ أمزج باللّئام دمي و لحمي
فما عذري إلى النّسب الكريم
فقال له أبو عيسى: أمتع اللّه أهلك ببقائك، و أحسن إليهم في زيادة إحسانه إليك، و جمّلهم بكمال محاسنك، و لا أرانا شرّا فيك.
كان يعمر داره و يبيضها و قال شعرا في ذلك:
أخبرني الحسين بن القاسم قال حدّثني عبد اللّه بن موسى الكاتب قال:
دخلت على عبد اللّه بن المعتزّ و في داره طبقات من الصّنّاع، و هو يبني داره و يبيّضها. فقلت: ما هذه الغرامة الحادثة؟ فقال: ذلك السّيل الذي جاء مذ ليال أحدث في داري ما أحوج إلى الغرامة و الكلفة، و قال:
ألا من لنفس و أحزانها
و دار تداعى بحيطانها
أظلّ نهاري في شمسها
شقيّا معنى ببنيانها
أسود وجهي بتبييضها
و أهدم كيسي بعمرانها
[١] هو علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب الأموي البصري قاضي القضاة أبو الحسن. كان ولي القضاء بسر من رأى، و كان عالما عفيفا ثقة. توفي سنة ٢٨٣ ه (عن «النجوم الزاهرة» ج ٣ ص ٩٧ طبع دار الكتب المصرية).
[٢] في ب، س: «و أنا الضامن إن أراد هذا الصهر إلا حيث» و هو تحريف.