الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٤٠٣ - استشفع بقبيحة إلى المتوكل و هو في حبسه فأرسلت إليه ابنها المعتز
نطق الهوى بجوى هو الحقّ
و ملكتني فليهنك الرّقّ
رفقا بقلبي يا معذّبه
رفقا و ليس لظالم رفق
و إذا رأيتك لا تكلّمني
ضاقت عليّ الأرض و الأفق
و أنشدني له و فيه غناء أيضا، و يقال إنه آخر شعر قاله:
يا رحمة للغريب بالبلد الن
ازح ما ذا بنفسه صنعا
فارق أحبابه فما انتفعوا
بالعيش من بعده و ما انتفعا
هجا مغنيا بشعر:
و قال لمغنّ حضر معه مجلسا و كان غير طيّب:
كنت في مجلس فقال مغنّي ال
قوم كم بيننا و بين الشتاء
فذرعت البساط منّي إليه
قلت هذا المقدار قبل الغناء
فإذا ما عزمت أن تتغنّى
آذن الحرّ كلّه بانقضاء
استشفع بقبيحة إلى المتوكل و هو في حبسه فأرسلت إليه ابنها المعتز:
أخبرني عليّ بن العبّاس بن أبي طلحة قال حدّثني عبد اللّه بن المعتزّ قال:
لمّا حبس أمير المؤمنين المتوكّل عليّ بن الجهم، و أجمع الجلساء على عداوته و إبلاغ الخليفة عنه كلّ مكروه و وصفهم مساويه، قال هذه القصيدة يمدحه و يذكّره حقوقه عليه، و هي:
عفا اللّه عنك أ لا حرمة
تعوذ بعفوك أن أبعدا
و وجّه بها إلى بيدون الخادم، فدخل بها إلى قبيحة و قال لها: إنّ عليّ بن الجهم قد لاذ بك و ليس له ناصر سواك، و قد قصده هؤلاء النّدماء و الكتّاب لأنه رجل من أهل السنّة و هم روافض، فقد اجتمعوا على الإغراء بقتله. فدعت المعتزّ و قالت له: اذهب بهذه الرّقعة يا بنيّ إلى سيّدك و أوصلها إليه، فجاء بها و وقف بين يدي أبيه. فقال له: ما معك فديتك؟ فدنا منه و قال: هذه رقعة دفعتها إليّ أمّي. فقرأها المتوكّل و ضحك. ثم أقبل عليهم فقال: أصبح أبو عبد اللّه- فديته- خصمكم. هذه رقعة عليّ بن الجهم يستقيل [١]، و أبو عبد اللّه شفيعه، و هو ممن لا يردّ، و قرأها عليهم. فلمّا بلغ إلى قوله:
فلا عدت أعصيك فيما أمرت
إلى أن أحلّ الثّرى ملحدا
/ و إلّا فخالفت ربّ السماء
و خنت الصّديق و عفت النّدى
و كنت كعزّون أو كابن عمرو
مبيح العيال لمن أولدا
وثب [٢] ابن حمدون و قال للمعتزّ: يا سيّدي فمن دفع هذه الرّقعة إلى السيّدة؟ قال بيدون الخادم: أنا.
[١] يستقيل: يطلب الإقالة من ذنبه و العفو عنه.
[٢] في الأصول: «فوثب».