الاغانی - ابو الفرج الإصفهاني - الصفحة ٣٤٢ - نسخة جواب إبراهيم بعد ما ذهب منه
ذلك، لو صرت إليه، لأجمل بك و أجلّ لقدرك و إن كنت لتتخوّلهما به. و لو أردت ذلك، و إن زهدت فيه، لم تضع نفسك و محلّك مع غلمان أحداث يبسطون ألسنتهم فيك بما بسطته منهم على نفسك، و لو لم تفعل لكنت أعظم في عيونهم من بعض مواليهم الذين تولّوا منّتهم. هذا رأيي لك بما هو أكبر لأمرك و أشبه بمحلّك. و و اللّه ما غششتك و لا أوطأتك عشواء، فاختر لنفسك ما رأيت. و لا و اللّه لا سمعا بهذا أبدا و لا بما قلته فيّ إلا خزيا حتى يموتا، و لا أردت- يشهد اللّه- بهذا غيرك. و أمّا من ذكرت أنّي أسوّيه بأبي إسحاق رحمه اللّه و هو لا يساوي شسعه فإنك عنيت ابن جامع. و أنت لا تدخل بيني و بين أبي إسحاق رضي اللّه عنه، و لا أظنك و اللّه أشدّ حبّا له مني، و لا كان لك أشدّ حبّا منه لي، فقد تعلم كيف كان لي، و لكن لا أظلم ابن جامع كما تظلمه أنت/ يا أظلم البشر. و لئن ضمنت أن تنصفني لأكلمنّك فيه بما لا تدفعه، و لكنّي لا أكلّمك في شيء حتى أثق بهذه منك، و إلّا وسعني من السكوت ما وسعك. و من العجب الذي لم أر مثله و المكابرة التي لا يشبهها شيء اعتداؤك عليّ في التجزئة حيث [١] تقول:
حيّيا أمّ يعمرا
قبل شحط من النّوى
/ يا أخي و حبيب نفسي فانظركم في هذا من العيوب!! قولك: «ييا» ليكون مثل «شحط» في الوزن، أ يكون مثل هذا في الكلام! في الجزء الثاني «حيّ» حتى يكون مثل «قبل»، هل يكون مثل هذا! أ و ليس في «ييا» المشدّدة أربع ياءات، و في «حي» التي عطفت بها ثلاث فتصير سبع ياءات، و إنّما هي ثلاث في الأصل: الياء المشدّدة و ياء الاثنين حيث [٢] تقول «حييا»!. و الناس في هذا بيني و بينك بهائم، فمن أستعدي عليك! و لو أنصفت لعلمت أنّه لا يمكن في:
حيّيا أمّ يعمرا
غير ما جزّأت أنا إلّا بهذا الغلط الذي لا يحول من تحريك ساكن تجعله أوّل الكلام فقد زدت قبله حرفا، أو تسكين متحرّك فتريد بعده حرفا؛ كقولك «أم يعمرا قابل شحطن» حيث جعلت قبل الباء ألفا، و كقولك «أم يعمرن قبلا» فزدت الألف لتسكت عليها لأن السكوت على متحرّك لا يمكن. فأيّة حجّة هذه! أ و من يصبر لك على هذا! و إنما أردت أنا ما يجوز فجئني بتجزئة واحدة، لا أريد غير ذلك منك. مالك يا أخي تنفس عليّ الصواب فيما لا نقيصة عليك فيه و لا عيب، ثم اتخذت تحمّدي إليك، بما قلت لك أن تسأل محمدا عن [٣] قولي فيك بظهر الغيب. ذنبا بطبعك على الظلم و التحريف، حتى كأني أعلمتك أن أحدا تنقّصك فحميت لذلك، و لم يكن غير الردّ عليه. و اللّه ما مثلي يمنّ بهذا، و لكنّي كنت إذا تحدّثت مع محمد خاليا كلّمته بمثل ما أكلّمك به من الردّ و الجدل، فلما كان عندنا من يحتشم كان كلامي بما يجب [٤] أن أتكلّم به من الإكرام و التقديم، فقال لي: أيّ شيء هذا الذي أرى؟ فقلت له: هذا كلام الحشمة و ذلك كلام الأنس. فأردت بإعلامك هذا أن تعلم أنّي لا أريد بما أنازعك فيه شيئا يزيغ عما تعرف مني، و أني أذكرك/ بما يشبهك في موضعه. فلو اتّقيت اللّه و أبقيت على الإخاء لما كنت تحرّف هذا بشيء، و هو جميل أرضاه من نفسي، فتصيّره قبيحا تريد أن أعتذر إليك منه.
و أما أداء الخراج و الإشهاد، فهذا شيء لم أطلبه منك، إنما أنت طلبته منّي ظالما لي. و ذلك لأني لم أنازعك إلّا منازعة مناظر يحبّ أن يعرف حسن فحصه و ثاقب نظره.
[١] في ج، ب، س: «حتى».
[٢] في ج، ب، س: «حتى».
[٣] في الأصول: «من».
[٤] في الأصول: «يحب».